مع كلام رب العالمين 01
الجزء ١ · صفحة ٤٥ونظرة عجلى على التاريخ الإسلامي توضِّح تلك المرحلة الانتقالية الخطرة، ما بين دولة الخلفاء الراشدين، ودولة الخلافة الأمويَّة، حيث تحوَّل الحكم من إمامة راشدة، إلى ملك دنيوي عضود، وتفرقت الحكومة من صحابة يتفاضلون بالتقوى، إلى أصحاب يتنافسون بالقربى، فاستُبدِلت المصالح بالمبادئ، وأوثرت المنافع الدنيويَّة على القيم الروحية. ولقد تنبأ الرسول الكريم ح بهذا المصير المؤلم الذي سيؤول إليه أمر أمَّته، ولذلك حذر منه بقوله: «يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَال قائلٌ: أَوَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُم المهَابَةَ مِنْكُمْ، ولَيَقْذِفَنَّ اللهُ في قُلُوبِكُمُ الوَهَنَ، فقَال قائلٌ: يَا رَسُول الله: وَمَا الوَهَنُ؟ فقَالَ: حُبَّ الدُّنيَا وَكَرَاهِيَةُ الموتِ»(1).
فلو نظرنا في منهجنا التربوي من خلال هذا المبدأ القرآني، وعرضنا عليه مجتمعنا اليوم، لوجدناه يبتعد شيئًا فشيئًا عن مبدأ: ژ ? ? ? ? ?? ژ إلى مبدأ: «قد ما عندك قد ما تسوى»، وفي هذا انزلاق ـ شئنا أم أبينا ـ إلى حمأة المنفعة والأنانية والمصلحة، وهي مظاهر أخذت تتعشَّش في مجتمعنا، وأصبحت تلك الاعتباراتُ مقياسًا للتفاضل عند أغلب الناس، ولاسيما فئة الشباب المنبهرين بزينة الحياة الدنيا ومتاعها، فأصبح المظهر عندهم هو الحكمُ والجوهرُ، ينظرون إلى الحياة من خلف مقود سيارة فخمة، أو يطلون عليها من شرفة «فيلَّلا» ضخمة، أو يتطلعون إليها من خلال كرسيٍّ دوَّار، ومكتب فخم، وحساب بنكي بالأورو والدولار.
(1) - رواه أبو داوود في كتاب الملاحم، باب في تداعي الأمم على الإسلام، رقم 4297.