مع كلام رب العالمين (الجزء الأول) محمد بن صالح ناصر

مع كلام رب العالمين 01

الجزء ١ · صفحة ٥

إنَّ أكبر مغالطة يمكن أن تُسيء إلى كرامة الإنسان المربِّي هي أن يتبنَّى هذا الشعار مسلكًا لحياته، لأنَّه اعترافٌ ذاتيٌّ منذ البداية بالتذبذب وعدم الإيمان بالمعتقد، ودليلٌ من أدلَّة الاختلال النفسي والعقلي، إذ كيف يمكن أن يُقنع المعلم تلميذه مثلا بأنَّ التدخين مُضرٌّ بصحَّة الإنسان وهو يُشعل أمامه السيجارة بالأخرى؟ أم كيف يَنْشِئ طلابه على المنطق المهذَّب وبعضُ كلامه معهم يخدش الكرامة والأدب؟

كيف تستطيع المدرِّسةُ إقناع تلميذها بضرورة التحلِّي بمظاهر العفَّة والحشمة، والمعلماتُ يَعْرِضن أمامهُنَّ فنونًا من التبرُّج والتحلُّل؟ بل كيف نرغب في أن نزرع في أبنائنا الفضيلة وسموَّ الأخلاق ونحن نحثُّهم على قراءة الروايات الداعرة والقصص الخليعة؟

حقَّا إِنَّ مدارسنا في المدة الأخيرة تحاول جاهدة استخدام وسائل تربوية حديثة مثل التربية بالقصص، والصورة، والتجسيد والتمثيل وغيرها مما يقرِّب المعلومات والتوجيه إلى الطفل، ولكن هذه الوسائل جميعها لن تنفذ إلى نفس الطفل، ولن تنتقش بذاكرته ما لم يصحبها المثالُ الحيَّ الذي يُجسدها وهو «المُرَبِّي»، لأَنَّ الطفل بطبيعته ـ كَما يُقرِّر علماء النفس والتربية ـ مجبول على تقليد مَثَله الأعلى الذي يتَّخذه لنفسه، وعادة ما يكون أبوه في البيت، ومعلِّمه في المدرسة. غير أنَّ المسؤولية في واقع الأمر لا تُلقى على المدرسة وحدها، أو على البيت وحده، بل هي مسؤولية المجتمع بكل شرائحه وقطاعاته، والشارع والنادي، وأجهزة الإعلام والثقافة أيضا.

لابد من التضامن والتكامل بين هذه الدوائر جميعها، فإنَّ المربي لا يمكن أن ينجح في غرس الفضائل في نفس الطفل إذا كان المجتمع لا يفعل ذلك.

٥ / ١٥٠