مع كلام رب العالمين (الجزء الأول) محمد بن صالح ناصر

مع كلام رب العالمين 01

الجزء ١ · صفحة ٥٣

والحوار المطلوب أساسُه احترامُ آراء الآخرين، لأنَّه ليس من الضروريِّ أن يؤدِّيَ الاختلافُ في الرأي إلى مخالفةٍ في الموقف، أو نفرةٍ في التعامل، فإذا كانت نيَّة التفاهم والاحترام متبادلة تقلَّصت مساحة الخلاف ولو كانت شاسعة، وتهيَّأت عند المطارحة نقاط للالتقاء ولو بقيت للافتراق نقاط، إذ ليس من الضروريِّ أن يظلَّ الموقف بين المتخالفين دومًا أبيض وأسود ما دام التعامل يتمُّ على أساس «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأيك خطأ يحتمل الصواب».

والمتتبِّع للآيات القرآنية الكريمة يلحظ كيف يركز القرآن الكريم على استخدام أسلوب الحوار أثناء إخباره عن سير الأمم السابقة مع أنبيائهم ورسلهم؛ فلا نكاد نجد قصَّة واحدة من هذه القصص المليئة بالعبر والأمثال إلاَّ وهي مبنيَّة على أسلوب الحوار، مهما تكن مكانة المحاور متَّسمة بالعناد والإصرار أو التجبُّر والاستكبار، وأصدق دليل على ذلك حوارُ نوح، وهود، وصالح، وشعيب، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ـ عليهم السلام ـ مع أقوامهم. ونظرة تأملية في سورة الشعراء مثلا توضِّح بجلاء هذه التربية الربانية، وتجيب عن السبب الذي أحلَّ هذه السورة في المكانة الثانية في القرآن بعد سورة البقرة في كثرة الآيات، إذ تحتوي على 227 آية، وما ذلك إلاَّ لتبنِّيها أسلوبَ الحوار، فكثر فيها القول بصيغة الماضي والمضارع والأمر، والمبني للمعلوم، والمبني للمجهول، فتجاوزت كلمة «قال» أو «قالوا» وما أشبهها الخمسين مرَّة.

والسؤال الذي يطرح نفسه: أين نحن من استخدام هذا الأسلوب الربَّاني في مجتمعاتنا ومجالسنا، ولا سيما في تلك المؤسَّسات أو المجالس التي يراعى في قيادتها ومراكز القرار فيها تقدُّم السن والتجربة؟

كم هم أولئك الذين يُشعِرُون أبناءهم بأنهم جديرون بإبداء الرأي ـ مهما يكن الرأي خطيرًا ـ لعرض تجاربهم، ولو كانت بدايات ناقصة فجة.

٥٣ / ١٥٠