مع كلام رب العالمين 01
الجزء ١ · صفحة ٦١ألا يدلُّ ما ذهب إليه ـ هنا ـ على أنَّ في القرآن شيئًا ليس في مقدور البشر الذين عبَّر عنهم «أولي البيان»، ومحمَّدٌ بشرٌ رسولٌ؟! فكيف تفرَّد بهذه الخاصيَّة التي ليست في مستطاع البشر إلاَّ أنْ يكون ذلك الإعجاز ربَّانيًّا إلهيًّا لا يستطيعه أحد من البشر، لا محمَّدٌ، ولا غيره، ممّا يهدم نظريتّه السَّالفة الذكر هدمًا، وهو ادِّعاؤه بأنَّ المعنى من الله، واللفظ من الرسول ح؟!
فواصل القرآن:
أفرد المؤلِّف صفحاتٍ كثيرة في كتابه ليدل من خلالها على أنَّ القرآن هو كتاب الفواصل، وأنَّ الأسلوب الذي اعتمده هو أسلوب الفواصل، وأنَّه أخضع المعاني والألفاظ لهذه الخاصيَّة، مما أوقعه ـ حسب زعمه ـ في عيوبٍ كثيرة، يقول في صفحة 554: «أهمُّ ما يدعو إلى الانتباه ويلفت إليه النظر في القرآن هو فواصله … لأنَّ ذلك هو الطابع الذي يمتاز به أسلوبه … فالفواصل هي قوام أسلوب القرآن».
« … وأكثر السُّور القصار على هذا النمط، وقد جاء نحو ذلك في بعض السور الطّوال».
« … ولا ريب أنَّ هذا ضرٌب من السجع؛ إلاَّ أنَّهم لم يُسمُّوه سجعًا؛ تأدُّبا مع القرآن الذي هو كلام الله، والسجع عندهم من شأن الكهانة».
والمؤلف في تأكيده على أنَّ القرآن في أسلوبه اعتمد ـ أساسا ـ على الفواصل، يبالغ في الاستشهاد بالآيات التي رآها ما هي إلاَّ عناية بهذه الفواصل ليس إلاَّ، وإن كان هذا على حساب المعنى والسياق « … ذلك أنَّ محمدًا يراعي الفواصل كلَّ المراعاة، ويعتني بها كلَّ الاعتناء؛ لأنَّها ـ كما قلنا ـ هي الطابع الذي يمتاز به أسلوبه … ، والإنسان إذا عُنِي بأمرٍ فربما شغلته العناية به عن مراعاة غيره من الأمور، التي تلزم مراعاتها أيضا، ولا ينكر أنَّ عنايته بالفواصل قد جاءت بالكثير من المحاسن، ولكنَّها ـ مع ذلك ـ لم تخل ـ أحيانا ـ مما يعاب»(1).
(1) - المرجع نفسه، ص: 551.