مع كلام رب العالمين (الجزء الأول) محمد بن صالح ناصر

مع كلام رب العالمين 01

الجزء ١ · صفحة ٦٢

إلحاح المؤلِّف على ظاهرة الفواصل في القرآن الكريم ليس القصد منه الانبهارُ بما في أسلوب القرآن من إعجاز بيانيٍّ، أو بلاغيٍّ، بل بالعكس؛ ليظهر ـ حسب اعتقاده ـ أنَّه أسلوبٌ «محمَّديٌّ بشريٌّ»، استمدَّه من البيئة العربية التي عرفت الشعر، واعتنت به. غير أنَّ محمَّدًا ـ حسب زعمه ـ أراد أن يُطوٍّر هذا الأسلوب، وينفرد باتجاهٍ فيه، فلم يتقيَّد بالفواصل تَقيُّد الشعر بالقوافي، بل جعلها مطلقة، غير مقيَّدة.

« … إنَّ محمدًا قد أطلق الفواصل، وفكَّ عنها القيود التي كانوا يتقيَّدون بها في كلامهم المنظوم والمسجوع، فلم يراع فيها الإعراب، ولا حروف الروي، ولا عيوب التكرار … فاتسع بذلك لأسلوبه مجال الكلام، فجاء أسلوب القرآن متوسطًا بين النظم والنثر، وبين النثر المرسل والنثر المسجوع، وذلك أسلوبٌ مبتكرٌ، لم تكن العرب تعرفه»(1).

إنَّ المتأمل في نظريات المؤلف ليعجب ـ حقًّا ـ كيف يناقض آخر كلامه أوَّلَه، إنَّه يعترف ـ هنا ـ أنَّ القرآن ليس شعرًا، ولكنَّه يُصرُّ على أنَّه أسلوبٌ بشريٌّ محمديٌّ، وليس أسلوبًا إلهيًّا!!.

ونحن نتساءل مجاراة لنظريته: أيُّ طاقة بشريّة هذه التي تجعل محمَّدًا - وهو الأمي - يأتي بأسلوبٍ مُبْتكرٍ لم تكن العرب تعرفه، وهو يعلم علم اليقين أنَّ العرب هم سادة البيان؟!.

وإنَّ المرء ليعجب لهذه الجرأة الوقحة، والتطاول السافر على أسلوب القرآن، وقد راح يعدد الآيات التي يراها من منظوره على أنَّها معايب أسلوبية، وهفوات تعبيرية، كما جاء في مثل قوله:

(1) - المرجع نفسه، ص: 557.

٦٢ / ١٥٠