مع كلام رب العالمين (الجزء الأول) محمد بن صالح ناصر

مع كلام رب العالمين 01

الجزء ١ · صفحة ٦٤

وأحسبه - بهذا الموقف - يغالط نفسه، لأنَّ أبسط متذوق للبلاغة العربية يدرك - دون أدنى شك - أنَّ التعبيرَ القرآنيَّ أحلى وأجمل وأبلغ على الصورة التي جاء فيها، لأنَّه يعلم علم اليقين أنَّ العرب كثيرًا ما حذفت عند الوقف، وكثيرًا ما زادت حروفًا عند الانطلاق. فأي عيب في أنْ يقول القرآن: ژ گ گ گ ژ (الأحزاب: 10)؛ بإضافة ألف الإطلاق في آخر كلمة الظنون!! وأي عيب أنْ يقول: ژ ? ? ژ (الأحزاب: 66)، ژ ? ژ (الأحزاب: 67)، ولو كانت الزيادة مراعاة للفاصلة وحسب!! على أنَّ المؤلِّف نفسه ما يلبث أنْ يعترف بأنَّ ذلك وارد في الأسلوب العربي، ولاسيما في الشعر، الذي كثيرا ما جاءت قوافيه مطلقة بزيادة الألف إطلاقا للصوت، كما جاء ذلك في قول المتنبِّي:

فمرَّت غير نافرة عليهم … تدوس بنا الجماجم والتَّريبا(1) ب

فلماذا يُعدُّ عيبًا في القرآن ما هو معروف ومعمول به في الأسلوب العربي؟!

الفواصل القلقة:

يدّعي المؤلف - في صفحات كثيرة (566 - 569) - على أنَّ في القرآن فواصلَ قلقة غير متمكنة؛ لأنَّها سيقت مراعاةً للفواصل ليس إلا، فكانت تلك العناية بالفواصل على حساب المعنى أحيانًا، وعلى حساب البلاغة أحيانًا أخرى. ويسوق أمثلةً كثيرةً يراها تخدم نظريته، والعجيب في الأمر أنَّه عندما يسوق آراء الذين يخالفونه الرّأي؛ كالزمخشري، والسّيوطي، والباقلاني، يغرقهم بسيل من الألفاظ الشنيعة، ويهزأ بفكرهم وعلمهم هُزْءًا ساخرًا، يقول في صفحة 566: « … من هذه الأمور التي وقعت في سبيل الفاصلة يظهر لك جليًّا كيف كان محمد يعتني بالفواصل التي لم تكن آيات القرآن آيات إلاّ بها، ومن مزيد اهتمامنا نراه - في بعض الأحيان - يرمي بالفاصلة لمجرد الفصل، من دون أنْ يلتفت إلى ما تقدمها من الكلام، فتأتي الفاصلة قلقة في مكانها غير مستقرة، ولا مطمئنة».

(1) - ديوان المتنبي، شرح العكبري، ج01، ص: 138.

٦٤ / ١٥٠