مع كلام رب العالمين 01
الجزء ١ · صفحة ٦٨«إنَّ الكلام في الآية إنَّما سيق لبيان تسبيح الأشياء، لا لمؤاخذة الذين لا يفقهون التسبيح، والمقام - كما قلنا - مقام دعوةٍ إلى تفكُّرٍ واعتبارٍ، لا مقام حلمٍ وغفرانٍ، ولكنَّهم يتمحَّلُون، ولو كان ذلك في غير القرآن لما تمحَّلوا هذه التمحُّلات، ولا تخيَّلوا لأجله هذه التخيلات، بل عابوا على قائله، وانتقدوه. والحقيقة هي أنُّه قال في آخر الآية: ژ ? ? ہ … ہ ہژ لمجرد الفصل، وليس الفصل بغرضٍ تافهٍ، بل هو أمر جليل، لأنَّ الفواصل كما قلنا هي قوام أسلوب القرآن»(1).
هكذا يَستخدِم الرصافي هذا الأسلوب الماكر، وهو أسلوبٌ اسْتِشْراقيٌّ معروفٌ، ظاهره المدح، وباطنه الذَّم، لأنَّه في النهاية عندما يتأمل يتبيَّنُ لنا أنَّه يُريدُ منه تأكيد نظريَّتِه أنَّ القرآن فواصل ليس إلا، أما المعنى وأما الروح التوجيهية للناس فلا وجود لهما.
وخطأ الرصافي في منهجه يَتبيَّن من خلال اعتماد كتابه - وأكاد أقول كلية - على معلومات من كتاب الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، ولكنَّه ما إنْ يخالفه في رأي من آرائه حتى يصفه بالسذاجة وقلَّة المعرفة، إلى غير ذلك من النعوت التي برع فيها براعةً كبيرةً، ولم يكد يسلم من لسانه أحد، فهو أعرف الجميع، وأعلم العلماء، وأفهم الفاهمين، الذي ترجع إليه الكلمة الأخيرة والرأي الأسدُّ.
وقد أداه ذلك الإحساس إلى نعت القرآن بنعوت تقشعرُّ منها الأبدان، فيصف معاني بعض الآيات بالمعرّة، وبساطة النظر، وسذاجة المعرفة، حتى إنَّه ليقول - تعقيبًا على تسمية سورة النُّور بالنُّور - بأنَّها لا تطابق محتواها، ويقول في تبجُّحٍ وتطاولٍ سافرٍ:
« … أما أنا فلو أردت أنْ أختار لسورة النّور اسمًا غير اسمها لقلت: سورة الآداب الاجتماعية، لا شتما لها على ذكر الآداب الاجتماعية»(2).
وأنا لا أحب أنْ أُعلِّق على هذا الذي ذهب إليه، لأنَّ تهافته ظاهرٌ للعيان.