مع كلام رب العالمين (الجزء الأول) محمد بن صالح ناصر

مع كلام رب العالمين 01

الجزء ١ · صفحة ٧

في تاريخ الأمم والجماعات والأفراد فترات حاسمة يهبها الله لنا لمحاسبة النفس تدبرًا واعتبارًا، أو أوبة واستغفارًا، وقد أراد الله لنا ابتلاء واختبارًا حتى يعلم الصادق من الكاذب، والثابت من المتذبذب، وهذه هي الفتنة التي أشار إليها القرآن الكريم حيث يقول: ژ ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھژ (العنكبوت: 1، 2). فالافتتان هو الميزان الحقيقي الذي يوزن به الإيمان، وما كان ذلك الافتتان متعلِّقا بما نكره، بل إنَّ فيما نحبُّ أيضًا فتنة واختبارًا كما يقول: ژ ? ? ? ?? ? ? ژ (الأنبياء: 35).

وما من شكٍّ في أنَّ أمَّتنا الإسلامية تتعرَّض في ديارها وأمصارها لامتحانٍ عسيرٍ يتمثَّل في تكالب أعدائها عليها يهودًا ونصارى ومنافقين، مستخدمين كلَّ ما يملكونه من وسائل الإبادة والتدمير المادي والمعنوي، أسلحةً عسكريَّة، وضغوطًا نفسيَّة، وآلياتٍ خفيَّة وعلنيَّة.

وهذا يمثِّل في الواقع مرحلة من هذا الصراع الطويل بين الحضارة الإسلامية والقوى اليهودية والصليبيَّة، بين من يعبد الله ويكرم الإنسان، وبين من يتَّبع الهوى ويَخْدِم الشيطان.

وقد واجهت الحضارة الإسلاميَّة عبر مراحل تاريخية حاسمة كلَّ أنواع الابتلاء؛ واجهت الاستكبار في مرحلة جهادها ضدَّ المشركين في مكة، وواجهت المكر في فترة صراعها ضدَّ المنافقين واليهود في المدينة، وواجهت الصليبيَّة الحاقدة في مراحل متعدِّدة من عصور الازدهار أو الانكسار المختلفة.

وأحسب أنَّ من أبسط الأمور التي يلجأ إليها الإنسان العاقل في مثل هذه الظروف الصعبة أَنْ يُقَيِّم ما مضى ليستعدَّ لما يأتي، أَنْ يبحث عن أصل الداء ليجد بعد ذلك الدواء، ولعلَّ من أولى مظاهر التقييم أَنْ نعود إلى أنفسنا وذواتنا في محاسبة دقيقة جريئة لنستمدَّ العبر من تاريخنا، ونستلهم التذكرة من كتبنا، فقد حَكَم الله، وحُكمُ الله لا يغيَّر بأَنَّه لن يُغَيِّر ما بقوم حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم.

٧ / ١٥٠