مع كلام رب العالمين (الجزء الأول) محمد بن صالح ناصر

مع كلام رب العالمين 01

الجزء ١ · صفحة ٧٣

«أما نحن؛ فنقول لك إنَّ كل ما أخرجه الحاكم والبيهقي والطبراني والبزار وابن أبي شيبة وغيرهم من الأحاديث المروية عن ابن عباس في هذه المسألة ليس إلا مما قاله ابن عباس، ولم يرفعه إلى النبي محمد ×».

« .. نحن لا نستطيع أنْ نحكم بصحة ما قاله ابن عباس، لأنَّه يخالف القرآن أولاً، لأنَّ القرآن صرَّح بأنَّه أنزل مُفرَّقًا، لا جملةً واحدةً. ثانيا، لأنَّ الكفار قالوا لمحمد ×: لماذا لم ينزل عليك القرآن جملةً واحدةً كما أنزلت التوراة والإنجيل؟ فأجابهم بحكمة إنزاله مفرَّقًا».

وبعد أن يستعرض آراء العلماء، ينتهي إلى القول:

«عن القرآن لم ينزل جملةً واحدةً إلى السماء الدّنيا، وإنَّما ابتدئ إنزاله في ليلة القدر، ثم أنزل بعد ذلك منجَّمًا، أي مفرَّقًا في أوقات مختلفة من سائر الأوقات، وبهذا القول قال الشعبي، فهنيئا للشعبي أنَّه لم تغمه غفلة ابن عباس فيما غمَّت فيه غيره من الأوهام … فيا لها من غفلة جرَّت غفلات، وهفوة جرَّت هفوات، ولأجل أنْ نعلم أنَّ هؤلاء إذا تكلموا في أمور دينهم تكون عقولهم معمَّاة من العمى التقليدي».

هكذا دأب الرصافي، لا يسلم من لسانه أحد، فهو الأعلم، وغيره الذين يخالفونه الرأي جهلاء، وأهل غفلة، ولا عقل لهم … إلى آخر هذه الألفاظ العنيفة التي يكتظ بها قاموس الرصافي، على أنَّه رغم ذلك وهو يدَّعي المنطق والعقل والتدبر، لم يسلم عقله من التناقض العجيب الغريب لأنَّه ما فتئ أنْ قال:

« .. والخلاصة هي أنَّ الصحيح الذي يوافق القرآن، ويساير المعقول، وينطبق على الواقع، هو أنَّ القرآن كان ابتداء نزوله في ليلة القدر على الوجه الذي تقدَّم بيانه في بدء الوحي والخلوة في حراء، ثم إنَّه استمر متفرِّقًا، في عشرين، أو ثلاث وعشرين سنة، أو خمس وعشرين سنة، على حسب الخلاف في مدة إقامة النبي بمكة بعد البعثة»(1).

(1) - المرجع نفسه، ص: 592.

٧٣ / ١٥٠