مع كلام رب العالمين 01
الجزء ١ · صفحة ٧٥ولا أحسب أنَّ القارئ في حاجة إلى أنْ نوضح له ما في هذا الرأي من تهافت ومراوغةٍ وتناقضٍ، ولعَّل الرصافي عندما يشعر بموقف ضعيفٍ كهذا يلجأ إلى السخريَّة والتهكُّم، يُغطِّي بهما تهافته وسطحيته، كأنْ يقول مثلا في مناقشة قضية اللوح المحفوظ، التي يقول بعض العلماء بأنَّ النزول الأول للقرآن كان من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، يقول معلقا:
« .. وما أدري أي فضل للقرآن في كونه مكتوبًا في اللوح المحفوظ، وقد كتب فيه كل كائن يكون، حتى الحمير، ونهيقها. فسبحان واهب العقول، ومعمّيها»(1).
والحق أنَّ المؤلف يتفوَّق تفوُّقًا بارزًا بسلاطة لسانه، وسخرية كلامه، الذي لم يسلم منه ربُّ العزّة، فكيف بالعلماء الأجلاًّء، الذين اتهمهم بالرياء والنفاق، وكأنَّه مطَّلعٌ على القلوب، أو لم يقل عن الباقلاني وكتابه إعجاز القرآن: « .. كل من طالعه بترَوٍّ، وقرأه بتدبُّرٍ وإمْعانٍ، أيْقن أنَّ مؤلٍّفَه من الرعيل الأول من المرائين، وأنَّه بتأليفه من طُلاَّب الدنيا، لا من طلاَّب الحقيقة»(2).
ولا يقف عند هذا الحدِّ، أي عند قلب الباقلاني المسكين، وإنَّما يتجاوزه إلى كل العلماء الذين كتبوا عن إعجاز القرآنّ، لأنَّ فكرهم لم يَرُقْه، هكذا بالتعميم المطلق؛ حيث يقول: «قلنا إنَّ الذين كتبوا في إعجاز القرآن لم يتكلَّموا عن تدبُّرٍ وتفكيرٍ، ولم يكونوا أحرارًا في تفكيرهم، وإنَّما تكلَّموا عن إيمانٍ واعتقادٍ، وذلك وحده كاف لانحيازهم إلى القرآن، زد على ذلك أنَّ منهم المخلص في إيمانه، ومنهم غير المخلص، فيجوز أنْ يكون غير المخلص مندفعًا إلى كتابة ما كتبه بدافع الرياء، إما لنيل منْصبٍ يعلو به، وإما لشُهْرةٍ يكبر بها، أو غير ذلك مما تتطلَّبه مصلحته الذاتية في محيط، كل ما فيه قائم باسم الدين … ».