مع كلام رب العالمين (الجزء الأول) محمد بن صالح ناصر

مع كلام رب العالمين 01

الجزء ١ · صفحة ٧٦

نقول: إنَّ التعليق بالكلمات لا يكفي لإظهار ما في هذا الموقف من تجاوز وانفلات، إلا أنْ يكون ذلك محلل نفسي، له خبرة بالنفوس والعقد التي تَتحكَّم فيها، إذ لا يمكن أنْ يصدر هذا الكلام إلا من إنسان يكنُّ عداءً سافرًا للدين والمتديِّنين، وله تقلُّبات فكريَّة معروفة طوال حياته، مثل مؤلف الكتاب.

الحق أنَّ المؤلِّفَ كان يتَّخذُ موقفًا منْحازًا للفكر المعارض المتمرِّد، ولو كان هذا الفكر مفْقودًا، لم يطَّلِع عليه إلا من خلال ما قيل في فهارس الكتب، كما جاء ذلك في مثل قوله، وهو يتحامل على ابن هشام وسيرته تحاملاً واضحًا:

« .. إنَّ ابن هشام صاحب السيرة المشهورة قد جنى على العلم والأدب جنايةً كبرى، باختصاره سيرة ابن إسحاق، فإنَّه لم يختصرها، بل قتلها قتْلاً وحشيًّا، فلم يبق منها إلا الاسم، ففقدت سيرة ابن إسحاق، التي كتبها مطولة، والتي اختصرها بأمر المنصور، فلا يوجد اليوم لها أثر، فيا أسفا على ما أصيب به العلم من فقدها!»(1).

إنَّنا نتساءل في عجب: بما أنَّ سيرة ابن إسحاق مفقودة، وليس لها أثر، فكيف علم أنَّ ابن هاشم قتلها قتْلاً وحشيًّا؟! وكيف ساغ له أنْ يُصدر حكمه القاسي على ابن هاشم المسكين بأنَّه جنى جنايةً كبرى على العلم؟! والمناطقة تقول: الحكم على الشيء فرع عن تصوره!!

هل القرآن معجز؟

منذ البداية؛ يهاجم العلماء الذين كتبوا عن إعجاز القرآن، وعلى رأسهم الباقلاَّني، لا لشيء إلا لأنَّهم كتبوا حسب زعمه «عن إيمانٍ واعتقادٍ، لا تدبُّرٍ وتفكُّرٍ. ولذا تراهم بما قالوه، وادَّعَوه، مبالغين في إعظام القرآن، ومفرطين فيما يدَّعون من إعجازه، كما تراهم جعلوا كل ما فيه الذروة العليا من البلاغة والفصاحة، واتخذوه المقياس الأعلى، الذي تقاس به درجات البلاغة»(2).

(1) - المرجع نفسه، ص: 601.

(2) - المرجع نفسه، ص: 599.

٧٦ / ١٥٠