مع كلام رب العالمين (الجزء الأول) محمد بن صالح ناصر

مع كلام رب العالمين 01

الجزء ١ · صفحة ٧٨

وإذا كان المقياس هو الإفهام كما يدّعي: « .. الإفهام هو المحور الذي يدور عليه فلك البلاغة، والكلام يبعد عن البلاغة قدر بعده عن فهم المخاطب، ويقرب منها قدر قربه منه، ولا يماري في هذا إلا معاند»(1).

ونتساءل متعجِّبين: أليست آية: ژ ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گژ (المسد:01،02) من أوضح الآيات فهْمًا، ومقْصدًا، وبلاغَةً، وتأثِيرًا، يفهمها الخاص والعام، المتضلِّع في العلم، والمبتدئ فيه؟!

والرصافي يذهب في تنَطُّعه هذا إلى أبعد حد حين يدَّعي أنَّ في القرآن من الآيات «ما لا يتماشى مع البلاغة، بل فيها ما لا يتماشى بظاهره مع المعقول»(2).

ويدَّعي بأنَّ القرآن نفسه يصرح بذلك، حيث يقول إنَّ فيه آيات محكمات هُنَّ أم الكتاب، وأخر متشابهات، وهذا تفسير غريب للمحكم والمتشابه.

ولأنَّه اعتاد أنْ يتهرَّب من التحليل كلَّما وجد رأْيًا لا يوافقه في مذهبه من بشرية القرآن، يقول:

« .. ولا حاجة أنْ نذكر لك اختلاف أقوال العلماء في المتشابه، وما هو المراد به في القرآن، فإنَّ القرآن عربيٌّ، وقد استعمل هذه الكلمة بمعناها اللغوي العام، وليس هناك ما يضطرنا إلى الخروج عن معناها العربي المعلوم … »(3).

ثم يُجهد نفسه في إيراد أمثلةٍ كثيرةٍ من القرآن، يزعم أنَّها ليست بليغة لما فيها من غموض في تفسيرها، وتأويلها، والوصول إلى مبتغاها، ويُلاحقُ الزمخشريَّ ملاحقَةً لاهثَةً في تفسيره لتلك الآيات، ويتَّهمُهُ بالتمحُّلٍ والتكلُّف، لا لشيءٍ إلا لأنَّه حاول أنْ يُفسِّر تلك الآيات، التي تبدو له غامضة مبهمة(4).

وبما أنَّ المجال لا يسمح بإيراد كلِّ تلك الأمثلة، ومناقشتها، والرد عليها، فإنَّنا نكتفي بمثال واحد، يمكن اعتباره نموذجًا لأسلوب الرصافي في المغالطة والتمحُّل؛ حيث يقول:

(1) - المرجع نفسه، ص: 616.

(2) - المرجع نفسه، ص: 617.

(3) - المرجع نفسه، ص: 616 - 642.

(4) - المرجع نفسه، ص: 616.

٧٨ / ١٥٠