مع كلام رب العالمين (الجزء الأول) محمد بن صالح ناصر

مع كلام رب العالمين 01

الجزء ١ · صفحة ٨١

« … من القَصص القرآنية قصة سليمان بن داود أحد ملوك بني إسرائيل، وهو الذي يسميه اليهود: سليمان الملك، ولم يقولوا إنَّه نبيٌّ، ولم يذكروه في أنبيائهم، ولكن النبي محمَّدًا قد جمع له بين الملك والنبوءة كالجمع بين الضدَّين، وجاء عليه منهما بما جاء من العجائب والغرائب ما فيه، وصوَّر ملكه في القرآن تصويرًا خياليًّا، فسخَّرَ له الريح تحمله حيث أراد، وأدخل في طاعته من الجن والشياطين من يعملون له ما يشاء، وجنَّدَ له من الإنس والجن والطير جنودًا تقهَر عدوَّه، وتظفره بما أحبَّ، وذكر له في القرآن قصة خيالية مع الهدهد … ».

إنَّ أسلوب التهكُّمِ والسخريَّةِ من الرسول محمّد × ظاهرٌ باد، لا يحتاج إلى تعليق، ولكنَّ التناقض الذي يقع فيه الرصافي بعد هذا العرض السخيف أمْرٌ يدعو إلى العجب، حيث يقول:

« … والذي نراه في مغزى هذه القصة الخيالية هو أنَّها لم تؤلف، ولم ترو إلا لأمر واحد، وهو تصوير ما للعلم من قدرة خارقة للعادة، وها نحن اليوم نرى للعلم من المعجزات ما لا يقل عن الإتيان بعرش بلقيس، في مدَّةٍ كلمح البصر، فنسمع المتكلِّم في لندن ونحن في بغداد، وإذا تم بلوغ التلفزيون رشده نراه أيضا كما نسمعه، إلى غير ذلك من معجزات العلم، التي يطول تعدادها».

كيف جاز للرصافي أنْ يعتبرَ ما جاء في القرآن الكريم عن النبي سليمان مع الهدهد وبلقيس، وإتيان العرش في لمح البصر، قصة خيالية من تأليف محمد × حسب زعمه، ثم ما يلْبَث أنْ يعترف بأنَّ المغزى من هذه القصة هو إظهار ما للعلم من قدراتٍ فائقةٍ، ومعجزاتٍ باهرةٍ، وذلك ما أكَّدَه العلم الحديث في وقتنا الراهن، فمن أين استطاع محمد، وهو الأميُّ الذي لا يعرف القراءة والكتابة، أنْ يتنبَّأَ بهذا المدى الذي سيصل إليه العلم من المعجزات الخوارق مشاهدة في السماء والأرض.

٨١ / ١٥٠