مع كلام رب العالمين 01
الجزء ١ · صفحة ٨٤هكذا يتطاول على الله جَلَّ جلاَله، ويصف كلامه بالابتذال، دون حياءٍ، أو خَجلٍ، وهو يدري فجاجة ما ذهب إليه من ضحالة في الرأي، وسقامة في الذوق، فأين قوله المتهافت بحفظنا، أو غير ذلك من قول الله تعالى: ژ ? ? ? … ژ، وكأنَّه لم يدرك ما في لفظة ژ ? … ژ من محبَّةٍ وتقدِيرٍ وحنُوٍّ ورعايةٍ من الله لعبده ونبيِّه نوح. وما الذي يضير أنْ يكون الله كذلك مع نبيه في لحظةٍ هو أشدُّ ما يكون فيها إلى عون الله وتوفيقه ونصرته وتأييده؟!
المحكم والمتشابه:
يتساءل الرصافي عن السبب في جعل القرآن محكمًا ومتشابها؟
ويجيب عن هذا التساؤل بتعليل غريب عجيب، منطلقا في ذلك من فكرته بأنَّ القرآن إنَّما هو من تأليف محمد ×، معلِّلاً اختيار النبي هذا الأسلوب، لأنَّه يتماشى مع طبيعة الدين الإسلامي، الذي يؤمن تابعوه بالغيب، ويقول: «فلا تجوز في الدين مخاطبة الناس بالجليِّ المكشوف؛ لأنَّ ذلك مناقضٌ للإيمان بالغيب … وإذا كان كلامك الذي تخاطبهم به من الله، لا منك، وما أنت فيه إلا مبلِّغ، كان من إيمانهم بالغيب أنْ يسمعوه، وإنْ لم يفهموه، ويقبلوه، وإنْ لم يدركوه، ويطيعوه، وإنْ لم يعقلوه».
«وخلاصة القول: إنَّ الدين لا يخاطب العقول، وإنَّما يخاطب العاطفة والإحساس النفسيَّ ليس إلا؛ لأنَّه لو خاطب العقول لما كانت النتيجة سوى الجدال والنقاش بلا جدوى، وإذا خاطب العقول أحيانا فإنَّما يخاطبها على سبيل التفكُّه من هذه الناحية، فلا يجرد خطابها من العاطفة كلّ التجريد … »(1).
ويتجاهل الرصافي كل الآيات الصريحة المحكمة التي تدعو المؤمنين إلى استخدام العقل في أمور الدنيا والدين معا، ومدحه للذين ژگ ? ? ? ? … ? ? ? ? ں ں ? ژ (آل عمران: 191).
ولكي ينصرف عن هذه الحجج الدامغة كلها، التي تتعارض مع رؤيته، يعود إلى فكرته ومنطلقه بأنَّ ذلك أسلوب النبيّ، وقد تعمده تعمُّدًا، واختاره اختيَارًا:
(1) - المرجع نفسه، ص: 648.