مع كلام رب العالمين 01
الجزء ١ · صفحة ٨٦«والذي نراه أنَّ محمَّدًا كان يظن صلب المسيح منافيًا لمنزلته الرفيعَة المقدَّسة، وأنَّ الصلب مما يشين كرامته، وكان هو شديد الحرص على دخول الناس في الإسلام، يتحيَّن له الفرص، ويبتكر له الوسائل، فأراد أنْ يستميل إليه النصارى بأنْ يعظِّم المسيح كل التعظيم، ويجعله أعظم وأعلى من أنْ يُصلب، فنفى عنه الصلب، وقال برفعه إلى السماء، ظنًّا منه أنَّه بذلك يستميل النصارى إلى الإسلام، وفاته أنَّه بنفي الصلب قد هدَّم دينهم من أساسه، وأنَّ مثل هذا القول يعد في عقيدتهم كفرًا بعظمة المسيح»(1).
والرصافي بهذه الطريقة الماكرة والأسلوب الملتوي، الذي ظاهرُهُ مدحٌ وباطنه ذمٌّ، يريد إلى أنْ ينتهي إلى غرضه الذي ما فتئ يدعو إليه، وهو أنَّ القصص القرآني من تأليف محمد، ولا أساس له من الصحة في الحقيقة، كما مر بنا آنفًا، ولا يكتفي بقصة المسيح والمسيحيين، وإنَّما يضيف إليها قصص القرآن عن بني إسرائيل، ويعلله بالتعليل السخيف نفسه؛ حيث يقول:
« … وكذلك انتهج محمد هذا النهج لاستمالة بني إسرائيل، ولإيلافهم، فأكثر من ذكرهم في القرآن، وأركبهم في غير سروجهم، وفضَّلهم على العالمين، وجعلهم أعز خلق الله على الله، وعظَّم أنبياءهم تعظيمًا لا يستحقُّونه، ولم يروا مثله في توراتهم.
ولقد لهج القرآن بذكر موسى وغيره من أنبيائهم، وجمع لبعضهم من الضدين النبوة والملك، كداود وابنه سليمان … وشحن القرآن بقصصهم، وأقاويلهم، ومعجزاتهم، وخرافاتهم، حتى لا تكاد تجد سورةً خاليةً من ذكرهم، كل ذلك لاستمالة شرذمة منهم كانوا في دار هجرته»(2).
والحق أنَّ المرء ليعجب من قدرة الرصافي على تزوير الحقائق التاريخية، وليِّ أعناق الآيات حسب مبتغاه، ونظرته.