مع كلام رب العالمين (الجزء الأول) محمد بن صالح ناصر

مع كلام رب العالمين 01

الجزء ١ · صفحة ٩٤

ويقول الشيخ الشعراوي مؤكدا هذا المعنى الذي ذهب إليه الرازي: «هكذا نعلم أنَّ الصيانة للإنسان والحفظ له والإمداد له قبل أن يولد، كل ذلك لم يرجع عنه الله مادام الإنسان يمشي على صراط مستقيم، لكن إذا ما حاد الإنسان عن الصراط المستقيم يلفته الله ببعض العبر والعظات ليعود إليه، والتغيير الذي يجربه الله على البشر حتى يغيروا ما بأنفسهم يشمل الإمدادات الفرعية، أمَّا الإمدادات الأصلية فلا يمنعها عنهم مثل الشمس والقمر والنجوم والهواء .. ويصيبهم في الأشياء التي من الممكن أن يسير الكون في انتظامه رغم حدوثها، فالمصيبة في المال أو المصيبة في النفس .. وهكذا نجد الحقَّ سبحانه وهو يغير لا يتغيَّر فهو المغيِّر لا المتغيِّر … ويدلنا أنه سبحانه لا يتدخل إلاَّ إذا عنت الأمور وفسد المجتمع واختفت الأنفس اللوامة من هذا المجتمع، واختفى من يقدرون على الردع ولو بكلمة من هذا المجتمع، هنا يتدخَّل الحق سبحانه»(1).

ومن المفسرين المعاصرين من يوضِّح هذا المعنى، يقول: «أي أن الله لا يغيِّر ما بقوم من نعمةٍ وعافيةٍ فيزيلها عنهم وينتقم منهم إلاَّ بتغيير ما بأنفسهم؛ بأن يكون منهم الظلم والمعاصي والفساد وارتكاب الشرور والآثام التي تهدم بنية المجتمع وتدمر كيان الأمم».

«وواقع التاريخ الإسلامي في القرون الماضية يدل دلالة واضحة على أنَّ الله تعالى لا يغير ما كان عليه حال الأمة الإسلامية عزَّة ومنعةً، ورفاه وحرية، وعلمًا وتفوُّقًا في جميع الميادين إلا بعد أن غيروا ما بأنفسهم فحكموا بغير القرآن وأهملوا دينهم وتركوا سنة نبيهم وقلدوا غيرهم، وضعفت روابط التعاون بينهم وساءت أخلاقهم وانتشرت الموبقات فيهم وقد وعد الله الأرض من يصلحها بقوله ژ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ (الأنبياء:105)»(2).

(1) - تفسير الشعراوي الجزء 12، ص72 وما بعدها.

(2) - التفسير المنير ج 13، 14. ص124.

٩٤ / ١٥٠