مع كلام رب العالمين (الجزء الثاني) محمد بن صالح ناصر

مع كلام رب العالمين 02

الجزء ١ · صفحة ١٠١

إنّ الوابل الذي مرّ معنا في المشهد المقابل من الصورة هو هو، ولكنّه هنا يُجتنَى جنّات خضراء في أجمل ربوة، وأعلى مكان، وتتنزل خيراته عميمة، وثماره كثيرة، وتتضاعف ثمارها وبركاتها، والوابل في الصورة المقابلة عامل من عوامل الإحباط، والخسارة، والندامة.

إنّ هذا التَّقابل في حد ذاته يفتح أمام المتأمل المتذوق ألوانا من البهجة والارتياح إذا أُريدَ بالإنفاق وجه الله، أو تصبح أمامه أحاسيس للخذلان والإحباط إذا كان من الفئة الأولى الذين غلبهم الشّيطان.

على أنّ الإنفاق الذي يُرِيدُه الله من عباده المؤمنين لا يتعلق بالمال وحده؛ إذ المال ليس متوفرًا بأيدي الناس جميعا، وإنما يوجِّه الله نظر المؤمنين إلى نفقة معنويّة روحيّة من شأنها زرع المحبّة بين المؤمنين، وبذر العطف والرّحمة بين أُسَرِهم، وبذلك تَنتَفِي نوازع الشحناء والبغضاء من بينهم، وكثيرا ما كان المال دافعا إلى تأريث العداوة حتّى بين الأشقّاء أنفسهم.

ژ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ??ژ (البقرة: 263). هذه الصّدقة هي التي يستطيعها كلّ مؤمن، إذ لا تكلِّف أجرًا، ولا جهدًا، ولا مشقّة.

والقول المعروف كما يقول العلماء: هو الدُّعاء، والتَّأنيس، والرّجاء بما عند الله، وهذه كلّها تُدخل على قلب المحتاج الرِّضى والطمأنينة، فإنَّ تلقِّي السّائل الملهوف بالبشر والتّرحيب، ومقابلته بالطّلاقة والبشاشة، ليكون مشكورًا إن أعطى، معذورًا إن منع(1).

وهو ما تؤكّده الآية الكريمة تخاطب رسول الله ژ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ??ژ (الإسراء: 28).

ومهما يكن موقف السّائل المحتاج الذي قد يتّصف أحيانا - تحت ضغط الحاجة - بالفظاظة أو الجفاء، فإن على المنفق المؤمن ألا يقابل ذلك كله إلّا بالتّسامح والمغفرة، والمراد بها ستر سوء حالة المحتاج، أو التّجاوز عن السّائل إذا ألحّ، وأغلظ، وجفى (2).

(1) 1 - يراجع التَّفسير المنير، ج1، ص 49.

2 - المصدر نفسه.

١٠١ / ١٥٦