مع كلام رب العالمين (الجزء الثاني) محمد بن صالح ناصر

مع كلام رب العالمين 02

الجزء ١ · صفحة ١٠٣

على ضوء ما مرَّ بنا من آيات الإنفاق، وما تقصد إليه من تزكية النفوس وتطهيرها، نتساءل عن أيِّ من النّفقتين أفضل عند الله؟ ما ينفقه الإنسان سرًّا دون أن يطَّلع على ذلك أحد إلا الله (ينفق يمينه ما لا تعلمه شماله)، حرصا من المؤمن على ألا يكدر صفو هذا السّخاء من نوازع الشّيطان، وأمراض القلب شيء، إذ الشّيطان يغتاظ من فعل الخير، ويملأ نفسه حنقا وكفرا أن يتعالى المؤمن في طاعته لله إلى هذا السُّمو الرّبّاني الملائكي.

على أنّه قد تكون هنالك حالات يضطرُّ المؤمن فيها إلى إظهار صدقته وهو لا يقصد إلى رياء أو سمعة أو مَحمَدَة، كأن تكون الصّدقة في الصّالح العام مثل بناء المدارس، والمشافي، والمساجد بيوت الله، وتزويج الفقراء المسلمين، وتعليمهم، ومساعدة طلاب العلم الفقراء ليكملوا دراساتهم العليا، والدعوة إلى الدِّين، وجهاد أعداء الإسلام بكل الطرق الممكنة، وهذه يطلق عليها نفقة التّطوع بقصد ترغيب الآخرين في التّصدُّق، وتحميس المجتمع المسلم ليتعوّد على هذا النّوع من الصّدقات التّطوعيّة، وهذا النّوع يفضل بعض العلماء إعلانها وعدم إخفائها.

وأما الصّدقة على الفقراء لسدِّ حاجاتهم فإنّ إسرارها أفضل من إعلانها، سترًا لحالهم، وحفظًا لكرامتهم(1)، وهذه من الأخلاق العالية التي ينبغي أن يتّصف بها المؤمن. ولا سيما عند العلم بأنّ المحتاج الفقير ممن له عزة إسلامية، يفضِّل سِتر حاجته عن النّاس، ويأنف من أن تَتَبذَّل، إيمانا منه بأنّ الله سيرزقه لأنّه هو الرّزاق وحده.

ولنا مثال حي قدمه لنا القرآن الكريم من المهاجرين أصحاب رسول الله الذين تركوا وراءهم أموالهم وأهليهم في مكّة، وأقاموا في المدينة، ووقفوا أنفسهم على الجهاد في سبيل الله، وحراسة رسول الله ح كأهل الصّفة مثلا(2).

(1) 1 - التّفسير المنير، مصدر سابق، ص:70.

(2) 2 - في ظلال القرآن، ص 462.

١٠٣ / ١٥٦