مع كلام رب العالمين 02
الجزء ١ · صفحة ١١وكان الصحابة رضوان الله عليهم وقَّافين عند حدودهم مستشعرين عظمة ما هم مقدمون عليه مع امتلاكهم لكل تلك الأدوات والعلوم التي تخولهم ذلك، ويكفي أن نتذكر قول أبي بكر - رضي الله عنه -: «أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا أنا قلت في كتاب الله بما لا أعرف».
وقد أدى عدم معرفة أسباب النزول - مثلا - ببعض الصحابة إلى الوقوع في خطأ جسيم، مثال ذلك ما حكي عن عثمان بن مظعون، وعمرو بن معد يكرب أنَّهما كانا يقولان بإباحة الخمر ويحتجان بهذه الآية ژ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ?? ? ? … ںںژ (المائدة: 93)، وقد صححت لهم أم المؤمنين عائشة خطأهم.
وما هذا إلا لأنه خفي عنهم سبب نزولها، فقد روي عن الحسن وغيره لما نزل تحريم الخمر قالوا: كيف بإخواننا الذين ماتوا وهي في بطونهم، وقد أخبرنا الله أنها رجس فأنزل الله الآية(1). وهكذا ندرك أنَّ معرفة الأسباب والملابسات المحيطة بالنص تساعد على فهم المراد منه، وقد أكد الإمام الشاطبي في موافقاته على هذا حيث يقول: «معرفة أسباب التنزيل لازمة لمن أراد علم القرآن لسببين: أحدهما أن علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن فضلا عن معرفة مقاصد كلام العرب، إنما مداره على معرفة مقتضيات الحال. وثانيها: أنَّ الجهل بأسباب التنزيل مُوقِع في الشُّبه والإشكالات، ومورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال فيقع الاختلاف».
وروي أنَّ عمر بن الخطاب خلا ذات يوم، فأخذ يحدث نفسه كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد، وقبلتها واحدة؟ فقال ابن عباس: «يا أمير المؤمنين إنا أنزل علينا القرآن فقرأناه، وعلمنا فيم أنزل، وإنه سيكون من بعدنا أقوام يقرؤون القرآن ولا يدرون فيم نزل، فيكون لهم فيه رأى، فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا … »(2).
(1) - البرهان في علوم القرآن، ج01، ص: 28.
(2) - يوسف القرضاوي، كيف نتعامل مع القرآن، الطبعة الخامسة، ص: 250.