مع كلام رب العالمين (الجزء الثاني) محمد بن صالح ناصر

مع كلام رب العالمين 02

الجزء ١ · صفحة ١١٩

5 - هناك صراع نفسي آخر يجسِّد العبرة والعظة لكل مؤمن، ويذكِّر كل متأمل متدبِّر بعاقبة الأمور؛ وهو ذلك الصِّراع الخفي بين النفس الأمّارة بالسّوء متمثِّلة في مواقف إخوة يوسف بعامة، و «زليخاء» بخاصّة، وبين النّفس المطمئنّة متمثِّلة في يوسف الصِّديق، وأبيه يعقوب وقد اتّخذا الصّبر لباسًا، والتّقوى ملاذا، والتّعلق اليقيني بفرج الله القريب ذخيرة. ففي كل مشاهد القّصة تنتصر خلّة الصّبر والإيمان، وقد جمعت السورة من خلال مشاهد مختصرة هذه العواطف الإيمانية في قول الله عزّ وجل على لسان يوسف في لحظة الانتصار والانفراج الكامل وهو يخاطب إخوته الكائدين: ژ ? ? ? ? ? ں ں ? ? … ??ژ (يوسف: 90). فهي إذا الكلمة النفسيّة التي تختصر كل مشاهد القصّة ژ ? ? ? ?ژ.

جعلنا الله ممن يتّقي ويصبر حتّى ننال أجر المحسنين، آمين.

هكذا جاءت هذه القصّة القرآنية العظيمة بمشاهدها المؤثرة المثيرة لتخفِّفَ عن الرّسول محمد ح بعض معاناته النّفسية من أذى الكفّار والمنافقين، كما جاءت قصة موسى مع فرعون من جهة، وموسى مع قومه بني إسرائيل من جهة، وقد أحاطها الله بشخصيات فرعيّة غير رئيسيّة في سيرورة محطّات هذه القصة، ولكنّها شخصيّات نافذة لها وزنها وقيمتها الاعتبارية، فهذا هامان قائد جند فرعون بسلطته العسكرية، وهذا قارون أحد أقرباء موسى وأشد أعدائه بسلطته المالية، وهذا مؤمن آل فرعون المثال للرجولة الفحلة، والإخلاص الثّابت بسلطته الإيمانية، وهذا هارون أخوه المخلص ووزيره الفصيح وعضده الأيمن، وهذا السّامري الذي نافسَ موسى في سيادة بني إسرائيل وأظلّهم بسحره، وفتّنهم بعجله فوراء كل هذه الشّخصيات المتنوِّعة عظات وعبر، ومشاهد وصور، ضربها الله لنا مثلا ناطقًا ومُعبِّرًا حاذقًا.

١١٩ / ١٥٦