مع كلام رب العالمين (الجزء الثاني) محمد بن صالح ناصر

مع كلام رب العالمين 02

الجزء ١ · صفحة ١٣

ولأنَّ قراءة القرآن تجعل المؤمن على تصور دائم للنعم التي أعدَّها الله له إنْ أطاعه، وعلى النقم المعدة إنْ عصى وكفر، ومِنْ ثم فلا عذر للمؤمن في هجران كتاب الله، ويكفي أنْ يستحضر في نفسه ذلك الحديث الذي يُقسِّم الناس إزاء قراءة القرآن إلى أربعة أقسام: مؤمن يقرأ القرآن، ومؤمن لا يقرأ القرآن، ومنافق يقرأ القرآن، ومنافق لا يقرأ القرآن، فشبه أقسامهم بالأترجة، فالثَّمْرة، فالريحانة، فالحنظلة. فالأول جمع بين الحسنيين؛ قوة إيمان ومصاحبة قرآن فهو كالأترجة جمعا بين طيب الرائحة ولذاذة الطعم، والثاني الذي لا يقرأ القرآن رغم إيمانه فإنَّه كالثمرة له مزية الإيمان لكنه محروم من أفضلية القرآن، فهو يشبهها لذة طعم وفقدان رائحة، والثالث الذي هو منافق ويقرأ القرآن فاقد لخصيصة الإيمان مع أفضلية قراءة القرآن، فهو كالريحانة زكية ولكن لها طعم مرير، والرابع الذي جمع بين الخسيستين والعياذ بالله لا إيمانا ولا قرآنا، فهو كالحنظلة جمعا بين المرارة وفقدان الرائحة الطيِّبة. وعلى كل مؤمن أنْ يختار بعد هذا التصنيف النبوي الدقيق أين يضع نفسه أترجة، أم ثمرة، أم ريحانة، أم حنظله!

على أنَّ الرسول الكريم قد وصف في حديث آخر المؤمن الذي لا يحفظ شيئا من القرآن «كالبيت الخرب»(1)؛ لأنَّه يفتقد ذلك النور الذي يشيعه كلام الله في قلبه فيبتعد عن ذكره، ومَنْ ابتعد عن ذكره فقد الطمأنينة والسكينة النفسية.

ژ ? ? … ? ? ??ژ (الرعد: 28)، بينما الذي يحفظه يكون حفظه له شفيعا عند ربه، ورفيقا في قبره، وسلّما يرتقي به إلى جنات الفردوس حيث يُنَادى: «اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإنَّ منزلتك عند آخر آية تقرأها»(2)، ألا يتمنى كل مؤمن أنْ يكون من هؤلاء السعداء في الفردوس الأعلى؟!

5 - القرآن بين الفهم والتذكر والتفكر والتدبر:

(1) - رياض الصالحين، ص: 326.

(2) - رياض الصالحين، ص: 327.

١٣ / ١٥٦