مع كلام رب العالمين (الجزء الثاني) محمد بن صالح ناصر

مع كلام رب العالمين 02

الجزء ١ · صفحة ١٣٤

فقد افتتحت سورة الفجر بالإقسام بالفجر، والليالي العشر، والشفع والوتر، والليل إذا يسري، ژ? … ? ? ? … ? پ پ … پ پ ? ?? ژ (الفجر: 1 - 4)، وهي كلها آيات باهرات تخاطب الحواس كلها، بحيث لم يعد ممكنا أن يشك أحد ذو عقل في إعجازها ژ? ? ? ? ? ??ژ (الفجر: 5).

فمنذ البداية يشد نظرنا هذا القسم العظيم من الاله العظيم بهذه المخلوقات الكونية العظيمة، إذ المقسِم العظيم لا يقسم إلا بعظيم من آياته التي خلقها وجعلها أدلة لوجوده، ووحدانيته، وفرديته، وصمديته، وهو الذي أقام هذا الكون بتوازن عجيب. فقد يبدو لأول وهلة لمن لم يمعن النظر أنه تقابل بين شيئين متناقضين متماثلين، لكن بعد التأمل يتبين له أن لا نور بدون ظلام وكذا العكس، فكل آية من نهار لا تتجلى إلا من خلال ظلمة الليل البهيم، ومن ثم كانت آية النهار سلخا لآية الليل ژ? ? ? ? ? ? ?ژ (يس: 37).

وقد لا ندرك عظمة الآيتين؛ الليل والنهار، وتأثيرهما في الإنسان بل الكون كله إلا عندما نستحضر آية الليل، وما تدعو إليه من سكون الخليقة كلها، وإيوائها إلى الراحة والسكون، ثم آية النهار، بل الفجر الذي يكون لحظة انبثاق النور الرباني، فيكون مدعاة للحركة في الأرض، وابتغاء الرزق لكل مخلوقات الله، وهذا التحول من السكون إلى التأمل في الليل، إلى الحركة الذاتية في النهار في لحظات ينقلب فيها كل شيء إلى مقابله وضده في تناسق عجيب، وتوازن مدهش غريب.

ثم نجد هذا التقابل بين الشفع والوتر داخلا في السياق نفسه، فالشفع والوتر هما أساس الحساب في العبادات وغيرها من المصالح الدنيوية الأخرى، فلا شيء من مخلوقات الله يخرج من أن يكون شفعًا أو وترًا، وأحسب أن تضييق ذلك في حدود الصلاة المعروفة بعد فرض العشاء لا يسمح بتذوق عظمة هذه الآية الكونية الشاملة.

١٣٤ / ١٥٦