مع كلام رب العالمين (الجزء الثاني) محمد بن صالح ناصر

مع كلام رب العالمين 02

الجزء ١ · صفحة ١٤٣

وإذا عدنا إلى سورة الفجر بالذات نبهر بتوالي هذه المشاهد الربانية منذ البداية حيث يضفي عليها الأسلوب القرآني المتميز مسحة من القوة، تشد القارئ إليها عبرة وادكارًا، وتهليلًا، واستغفارًا، وخشوعًا، وانكسارًا.

ژ? … ? ? ? … ? پ پ … پ پ ? ? … ? ? ? ? ? ? ??ژ (الفجر: 1 - 5). فإن الفجر إذا انبثق من خلال الظلمة بتلك الألوان الرائعة في الأفق من أشد آيات الله الكونية التي تحرك القلب، وتغري العين بالنظر والتأمل في عظمة المبدع الذي أحسن كل شيء خلقه، حتى يبدأ المرء يومه بالإيمان واليقين بربه العظيم؛ ضامن الرزق، وكافل الخلق. وليس ثمة من بني آدم من يخطئ رؤية هذا المشهد الرباني العظيم، ومعايشة تلك اللحظات الإيمانية المنعشة، إلا من ران على قلبه الكفران، وحجبه عن نور الله الجحود والطغيان.

وقد قرن الله بين الفجر والليال العشر التي هي العشر الأوائل من شهر ذي الحجة(1)، حيث يتوجه المؤمنون إلى أقدس مكان في أروع لحظة من لحظات الزمان، وهذا التميز الذي يجمع الفجر والليال العشر، والشفع والوتر، والليل إذا يسري، يجمع بينها جميعا ما خصها الله به من قداسة التنزيه الرباني، وحلاوة الرجوع إليه خشوعا وسكونا، ورغبة ويقينا. فبعد سكون الليل البهيم الذي كاد يسري هو بنفسه انبساطا على الكون، وامتدادا جبارا قويا عليه إلى لحظة انبثاق الصبح وقد تنفس بعد طول همود وسكون، إلى لحظات العودة إلى الذات استغفارا من الغفلة والذنوب في موسم الحج العظيم، وقد عج المؤمنون وثجوا أيام عرفة ما قبلها وما بعدها، منيبين إلى الله عائدين إلى عفوه ورضاه، فكان صوم يوم عرفة كفيل بأن يغفر الله به سنة سابقة وأخرى لاحقة.

إنها آيات بيِّنات تخاطب العقل الإنساني فتوقظه من غفلته، وترجعه إلى رشده، حتى أنها لجلاء عظمتها، ووضوح سحرها، لا يحتاج فيها الإنعام إلى إقسامژ? ? ? ? ? ??ژ (الفجر: 5).

(1) - على رأي أغلب المفسرين.

١٤٣ / ١٥٦