مع كلام رب العالمين (الجزء الثاني) محمد بن صالح ناصر

مع كلام رب العالمين 02

الجزء ١ · صفحة ١٤٧

وهذا الموقف من الإنسان تجاه المال يوضح جحوده وكفرانه وذلته لشهواته وعصيانه، حيث أصبح عبدا أسيرا لذلك المال، مسيرا ذليلا لمتطلباته التي لا تنتهي، وهذا الموقف مخالف لما أراده الله من هذا المال الذي أعطاه إياه. فهو حين أعطاه المال إنما أعطاه له أداة لمنفعة، ووسيلة لمصلحة لا يؤدي مهمته إلا حين يتجاوز بها نفع نفسه إلى نفع عباد الله من حوله كلهم.

ومن دقة تعبير القرآن الكريم في هذه السورة أن جعلت الحضَّ على إطعام المسكين لا إطعامه وحسب هو ما يريده الله من المجتمع المتكافل الذي من سماته الإسلامية؛ التواصي بالخير أمرا بمعروف ونهيا عن منكر، وكأن الله سبحانه وتعالى يقطع طرق الاعتذار أمام من يدعي أنه لا يملك لينفق، ولو أراد الله لأطعم المحتاجين والمساكين، ولرزقهم كما يرزق الآخرين من عباده. ژژ ژ … ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? … ?ژ (يس: 47).

ومن هنا نتبيّن بلاغة التعبير في كلمة ژ? ? ? ? ?ژ وكأنه إجابة مباشرة لمن يدعي أنه لا يملك حتى ينفق لفقره، إذ باستطاعة كل إنسان (الحض) على الإطعام حتى ولو لم يستطع إلا إطعام نفسه الذي هو من خصائص الموسرين، وكأن الله يقول من وراء هذا المشهد الجزئي الذي هو من مكملات المشهد الأساس: ألا إنكم لا تدركون معنى الابتلاء فلا تحاولوا النجاح فيه بإكرام اليتيم، والتواصي على إطعام المسكين، بل أنتم على العكس تماما تأكلون الميراث أكلا شرها جشعا، وتحبون المال حبا كثيرا طاغيا، لا يبقي في نفوسكم أريحية ولا مكرمة مع المحتاجين إلى الإكرام والإطعام.

وقد كان الإسلام يواجه في مكة حالة من التكالب على جمع المال بكافة الطرق، تورث القلوب كزازة وقساوة، وكان ضعف اليتامى مغريا بانتهاب أموالهم بخاصة الإناث منهم في صور شتى … ، كما كان حب المال وجمعه بالربا وغيره ظاهرة بارزة في المجتمع المكي قبل الإسلام …(1).

(1) - في ظلال القرآن، ج08، ص: 574.

١٤٧ / ١٥٦