مع كلام رب العالمين (الجزء الثاني) محمد بن صالح ناصر

مع كلام رب العالمين 02

الجزء ١ · صفحة ٢٦

وتستمر السورة مع هذا المشهد الذي يُطمئِن محمدا بأنَّ هذا الموقف من كفار قريش ليس جديدًا في رسالات السماء، فكم من قرون أهلكها الله قبله لعنادها، واستكبارها، ورفضها الرسالات السماوية، وما يلبث القرآن الكريم أنْ يؤكد الصفة التي مِنْ أجلها أوحى بها إلى الرسول محمد حيث يقول: ژ? ? ? ? ? ? ? ? چچژ (ص: 29).

وبهذه الآية المعجزة التي تسمو بمكانة القرآن، وتُخلِّد صفاته، وتُؤيِّد صدقه، يصْفقُ الباب في وجوه كبار قريش المتكبرين المعاندين بأنْ يوضح مرة أخرى قيمة هذا الكتاب العظيم، وأنَّه مِنْ عند الله لا شك في ذلك ولا ريب، فهو كتابٌ منزلٌ من عند الله، وهو مباركٌ بكل ما فيه لا علاقة له بالبشر، أو بالجن، أو بالسحرة، أو الشياطين كما يدَّعون، وأنَّ وظيفته الأولى أنَّه كتاب هداية وتذكير، لكنه لمن؟ لأصحاب العقول ذوي الألباب وليس المتكبرين الذين ركبهم الشيطان كما ركب مَنْ قبلهم من القرون الهالكة.

بل هم حين حسدوا محمدًا لا يقلُّون حسدا مِنْ شياطينهم الذين طالما أغواهم الحسد فجعلهم لعنة للعالمين.

« … فهي جبلة واحدة وطبيعة واحدة للمكذبين، وهو استقبال واحد للحق وللرسل يستقبلهم به المنحرفون، كأنَّما تواصوا بهذا الاستقبال على مدار القرون وما تواصوا بشيء، إنَّما هي طبيعة الطغيان، وتجاوز الحق، والقصد بين الغابرين واللاحقين»(1).

ومِنْ خلال هذا الموقف المفضوح من المشركين تناقضًا وتهالكًا، عنادًا واستكبارًا، تتأكد رسالة القرآن التي هي الذكر فقط، وحسبُ الرسول منزلة عند الله أنْ يختاره الله مِنْ بين خلقه أجمعين لهذه الصفة السامية فيه حتى يرفع مِنْ مقام رسوله الكريم من جهة، وحتى يُزيل عنه مشقة الإحساس بالتقصير أو القصور إزاء الرسالة التي اختاره الله من أجلها.

ژ? ? ? ? ? ? ژ (الذاريات: 55).

(1) - المصدر السابق، ص: 588.

٢٦ / ١٥٦