مع كلام رب العالمين (الجزء الثاني) محمد بن صالح ناصر

مع كلام رب العالمين 02

الجزء ١ · صفحة ٣٦

إحدى عشرة آية من الآيات البينات، من أبلغ ما جاء في القرآن، وأعجزه، وأحكمه، جمعت بين الإعجاز الدلالي، والإعجاز البياني، والتأثير الصوتي، شأنها في ذلك شأن أغلب سور القصار المفصل التي طبعها الله بطابع ساحر خاص، إذ هي من أول سور القرآن نزولًا؛ لأنها نزلت في المرحلة المكية حيث كان القرآن يهدف إلى ترسيخ العقيدة في نفوس المؤمنين به من جهة، ويهدف إلى تبيان ما في القرآن من سحرٍ بلاغيٍّ، وإعجاز بيانيٍّ من جهة أخرى، وهو ما لبث كفار قريش المشهورون بالفصاحة والبلاغة أن أُخِذوا معجبين به وبأسلوبه المعجز، وإن لم يؤمنوا طبعًا بما جاء فيه، وقد تحدَّاهم الله أن يأتوا بسورة من مثله، وتكرر التحدي من الله طول نزول القرآن، كما تكرر التحدي من الكفار على قدسية القرآن وإعجازه بما وصفوه به، تارة سحر، وأخرى كهانة وأساطير الأولين تارة أخرى، إلى آخر الصفات التي لفقوها ضدَّه التي دلت هي نفسها عن مغالطة أنفسهم، فافتضحوا مرتين؛ مرة بعجزهم، ومرة لمكابرتهم وعنادهم.

ولنزول السورة العظيمة التي تبين مكانة نبينا محمد ح عند الله، سبب ذكره أغلب المفسرين خلاصته: «أنَّ الوحي فتر وانقطع عن الرسول مدة خمسة عشر يومًا، وقيل: خمسة وعشرين يومًا، وقال (مقاتل): أربعين يومًا(1)، وتلك دلالة قوية على أنَّ القرآن من عند الله، وليس من عند محمد كما يدعي الكفرة من قريش أو غيرهم».

وما من شك في أنَّ الخطاب موجه إلى الرسول الكريم محمد ح بعد أن انقطع عليه مدة، فوجدها الكافرون المعاندون فرصة لمعايرته، والتشكيك في دعوته بادعائهم أنَّ محمدًا قلاه ربه، وهجره وحيه.

(1) - التفسير المنير، ج30، ص: 287.

٣٦ / ١٥٦