مع كلام رب العالمين (الجزء الثاني) محمد بن صالح ناصر

مع كلام رب العالمين 02

الجزء ١ · صفحة ٣٨

وفي هذا إشارة قوية ودلالة واضحة جلية إلى أنَّ من نعم الله على المؤمن هذا الاختلاف والتراوح بين ليل ونهار؛ حتى يكون دومًا قريبًا من ربه، متذكرًا نعمه عليه، شاكرًا أفاضله وآلاءه، فيكون عمله في النهار ادِّكارًا لنعم الله عليه بالصحة والسلامة، وشكره له في صلاته وعبادته، وهو منقطع إلى ربه مصليًا واعيًا مجتهدًا، راكعًا ساجدًا بعيدًا عن صخب النهار، وفتنة الناس، وانشغالات الدنيا التي لا تنتهي.

وقد تساءل الباحث عن سر تقديم الضحى على الليل في هذه الآية، مع أنَّ القرآن غالبًا ما يُقدِّم ذكر الليل على النهار، ألا يدل هذا التقديم للضحى هنا في هذه السورة الكريمة التي هي تمجيد شخصية الرسول ح ومكانته عند الله، ألا يدل ذلك على أنَّ الضحى إشارة لطيفة إلى نور الهداية الإسلامية، والقرآن المبين الذي أتى لنشر النور الإلهي بواسطة محمد، وكتابه على البشرية الضالة في ظلام الجهالة، وضلالات الشرك والكفران، وهي بشارة للرسول على أنَّ دينه سيعم العالم كله، بفتح مبين حين أرسله رحمة للعالمين.

إنَّ الإشارة إلى أنًّ الضحى قد يرمز إلى رسالته ح، والليل إلى انقطاع الوحي إشارة قديمة، فقد قال الإمام الرازي في تفسيره: «يحتمل أنْ يقال: الضحى رسالته ح، والليل زمان احتباس الوحي فيه»(1).

ژ? ? چ چ … چچژ (الضحى: 3).

انتقلت الآية الكريمة من القَسم إلى المُقسَم به أو جواب القسم ژ? ? چ چ … چچژ، وعظمة القَسمِ تدل على عظمة المُقسَم به؛ لارتباط أحدهما بالآخر ارتباط المبتدأ بالخبر. ونلحظ كيف بدأت الجملة بالنفي (ما) لتقطع الطريق من الأساس أمام وساوس الشيطان، وظنون الكفار من أوليائه وقبيله، ولتملأ قلب محمد القلق بالطمأنينة والسكينة.

(1) - السامرائي، على طريق التفسير البياني، ج01، ص: 111.

٣٨ / ١٥٦