مع كلام رب العالمين (الجزء الثاني) محمد بن صالح ناصر

مع كلام رب العالمين 02

الجزء ١ · صفحة ٣٩

(ودَّعك) هكذا باختيار فعل التوديع، وكان الخطاب الذي يعني الرسول محمد ح، والتوديع أخفَّ وقعًا على النفس من (الترك) مثلا، لأنَّ التوديع يكون بين الأحباب، وهو من الدعة التي هي دعوة بالسلامة والإياب، والعيش الهنيء، فهو لم يودعه قط، بَلْهَ أنْ يتركه يعبر على أنَّه معه في كل لحظة وحين، في السراء والضراء، وفي الليل والنهار، في البيت مع أهله، أو في الصحراء متعبدًا في غار حراء وحيدًا، وهذا كله مما يبث الطمأنينة في نفس الرسول ح، ويزرع فيه الثقة الكاملة بربه حتى لا يشك لحظة واحدة في كون معية الله ترعاه وتحفظه ژ? ? ? ? ??ژ (التوبة: 40).

ويأتي الإعجاز البياني القرآني في قوله: ژ? ? چ چ … چچژ (الضحى: 3)، ونلحظ التوديع الذي لم يربطه بكاف الخطاب، وما قلى هكذا بدون كاف الخطاب، لأنَّ القلى هو البغض والهجران، وهذا الفارق بين اللفظين من دقة التعبير القرآني، فلأنَّ معنى (قلى) أشد على النفس من التوديع، فإن التوديع عادة ما يكون مؤقتا، والهجر والهجران دائمين.

ومن ثم جاءت الكلمة دون كاف الخطاب لطفًا وحبا بمحمد، ومواساة ومراعاة له، (إنَّ الحذف؛ أي حذف الكاف هنا للإكرام والتعظيم، وذلك أنه تعالى لم يرد أنْ يواجهه بالقلى فيقول: وما (قلاك)، وإنما اكتفى بالمفعول السابق إكرامًا لرسوله من أنْ يناله الفعل. فأنت ترى أنَّ ذكر المفعول مع التوديع إكرام له ح، وحذفه من (القلى) إكرام له أيضا، فهو إكرام في الذكر، وإكرام في الحذف، وهذا من ألطف مواطن الذكر والحذف)(1). ولو كانت الفاصلة القرآنية تراعي السجع أحيانًا على حساب المعنى كما يدعي بعض المتنطعين الجهلة لقال: (وما قلاك) هكذا بالكاف، ولكن القرآن يراعي المعنى والإيقاع الصوتي معا، موازنة بين الجمل، ومراعاة لفواصله التي لا تستبعد العناية بالجرس الصوتي، لأنه يخاطب كل حواس الإنسان؛ ومنها الأذن.

(1) - السامرائي، على طريق التفسير البياني، ج01، ص: 112.

٣٩ / ١٥٦