مع كلام رب العالمين 02
الجزء ١ · صفحة ٤٠وقد دلت الدراسات الحديثة على أنَّ الإيقاع الصوتي له من التأثير المباشر الخلاب في النفس عن طريق السماع ما لا تبلغه الحواس الأخرى بطبيعة الحال، وهذا يعضده قول الرسول ح: «من لم يتغن بالقرآن فليس منا»، وما تقديم القرآن حاسة السماع هكذا بالجمع قبل الأبصار والأفئدة إلا إشارة لطيفة إلى هذه الأفضلية.
ژ? … ? ? ? ??ژ (الضحى: 4).
التقديم والتأخير هنا في التعبير له مقصد بياني بلاغي قوي، فإن الأوْلى عند الله هو ذكر الآخرة قبل الدنيا، فإن شأن الآخرة عند الله بالنسبة للمؤمن أهم من الدنيا التي لا شأن لها عند الله ژپ ? ? … ? ?? ? ? ??ژ (العنكبوت: 64). ومن ثم كان مناسبا أنْ يربط بين ذكر الآخرة وحرف اللام الذي يعني التوكيد.
والخيرية ربطها بالكاف؛ كاف الخطاب (خير لك)، وفي هذا التخصيص من التفضيل والعناية والرعاية ما لا يخفى، فإنك لم تخلق ولم تختر لتستمتع بهذه الدنيا - وقد خيرت فاخترت الآخرة - لأنَّ مكانتك اللائقة بك تنتظرك أنت وأمثالك هناك في الآخرة، حيث خصك الله بفردوسه الأعلى، وبالحوض، والكوثر، فكل ما يزعجك في هذه الدنيا لن يؤثر فيك حتى لو أزعجك وهو لا يدوم، لأنَّ الدنيا وما فيها فانية. إنَّ نعيمك ونعيم أمتك في الآخرة حيث أعدها للمؤمنين، ووعد الله نافذ لا يتخلف، فاطمئن واهنأ بالًا يا حبيب الله يا رسول الله. هكذا علمتنا بسلوكك الذي لم يعط الدنيا أكثر مما تستحقه من العناية، أوَلم تقل للصحابة رضوان الله عنهم: (مالي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها).
ژ? ? ? … ? ژ (الضحى: 5).
إنَّ الشعور بالحرمان لا يمكن أن يتسلل لنفسك يا محمد؛ لأنَّ الذي ينتظرك من نعيم لا يمكن أنْ يخطر على بال بشر، فهل من عطاء خير من عطاء ربك؟ وهل من عطاء مهما يكن يرضي النفس أكثر من عطاء الخالق الرازق الذي سيشملك بنعمه التي تترى عليك دنيا وأخرى حتى ترضى؟