مع كلام رب العالمين (الجزء الثاني) محمد بن صالح ناصر

مع كلام رب العالمين 02

الجزء ١ · صفحة ٤١

أحسب أنَّ هذه الآية هي قلب هذه السورة العظيمة، فهي توزع النبض الشفيف اللطيف في كل الآيات الأخرى، لما تختزنه من طاقة الحنان والطمأنينة في قلب محمد اليتيم الفقير الحائر ژ? ? … ? ژ. إنها وعد شامل لما أعطاه من كمال النفس، وظهور الأمر، وإعلاء الدين، ولما ادخره له مما لا يعرف كنهه سواه، فإن الذي يعطيك يا محمد هو ربك، الذي ضمن لك التربية، والرعاية، والحفظ من كل مكروه، لن يمسك شيء في بدنك، أو روحك، أو قلبك، لن تشعر بعد اليوم بالحرمان الذي يشعر به الأيتام، ولو اجتمعت قريش كلها لإيذائك وتنغيص حياتك. ألست بأعيننا نكفيك، ونأويك، نهديك حتى يملأ الرضى نفسك وما حولك من أهلك وولدك، هو ربك وأنت عبده المنسوب إليه المضاف إلى ربوبيته، وهو وحده راعيك وكافلك. ثم لا بد أنْ نلحظ هنا دقة التعبير في إطلاق العطاء والرضى مطلقًا دون تحديد، فلم يقل يعطيك كذا وكذا، أو ترضى عن كذا وكذا، فإن البلاغة هنا في التعميم الذي لا يخفى على المتذوق اللبيب، إنه العطاء المطلق في الحياة كلها والآخرة، والرضى المطلق في الدنيا والآخرة، رضى عن حياتك، وأهلك، ومن حولك من الأهلين، ورضى من الله أكبر، والرضى المطلق أهم وأغلى ما يتمناه الإنسان، وقلَّما أعطي لمخلوق سوى خير الخلق أجمعين.

وانظر حولك لتتحقق هذه النعم الجليلة وهي تترى عليك من عطاء الربوبية الحانية، ولكي ندرك كلمة (ربُّك) ومكانتها المتأصلة الوارفة الظلال على السورة كلها نستبدلها بكلمة (إلهك) مثلًا، لنجد البون شاسعًا، لأنَّ كلمة (الله) تليق بمقامات التكليف والعبادة، وكلمة (الرب) التي تعني هنا المربي، والمرشد، والراعي، والمالك، والقيم، والمُنعم(1)، تليق بل تعبر عن مقامات العطاء الأزلية، والإمدادات الربانية، فهي تحمل شحنة لا تقدر من الحنان، والعطف، والرعاية، واللطف، إنها مقدمة ضرورية لما سيأتي بعدها من الآيات البينات.

(1) - ابن منظور، لسان العرب، مادة: رَبَبَ.

٤١ / ١٥٦