مع كلام رب العالمين 02
الجزء ١ · صفحة ٤٤لقد اجتمع عليك في نشأتك ما ينغص حياة الإنسان، فإضافة إلى الفراغ العاطفي من اليتم إلى الحيرة المقلقة بحثًا عن بصيص نور الهدى، حطَّ الفقر على عتباتك فأثقل كاهلك بالعيال وقلة المال، ولكن سرعان ما انفتح باب الرزق أمامك واسعًا، فتذوقت حلاوة الكسب الحلال في تجارة خديجة، وكنت قبلها راعيًا تتطاوح بك شعاب مكة مع شويهاتك العجاف. إنَّ مال خديجة أفاض عليك بركةً وسعةً في الرزق، فأغناك عن أن تتطلع إلى ما في يد غيرك، أو تشعر بالحرمان في حنايا نفسك، لأنَّ الله أعطاك إلى جانب سعيك الدؤوب أخلاقًا رفيعةً، فكنت الصادق الأمين في تلك التجارة، وكنت التاجر الموفق تضرب أكباد الإبل، فأعطاك القناعة والرضى، ومنحك الغنى الحقيقي الذي أضفى على حياتك كلها الطمأنينة النفسية، فصرت مثلًا لأمتك في فهم قيمة المال على أنه وسيلة لا غاية، وأداة لا نهاية، لأنَّ القرآن علَّمك، والوحي ربَّاك على أنَّ أعطيات الدنيا لا قيمة لها إنْ لم تكن زادًا للآخرة ژپ پ پپژ (الأعلى: 17)، وأنَّ الإنفاق هو الذي يزكي المال ويُنميه. لم يغرك متاع الدنيا، ولم تبطرك النعمة، ولم يسيطر حب الكسب على أخلاقك ومعاملاتك، فيقودك إلى حيث ينتظرك الشيطان، والمال أحبولة من أحابيل الشيطان لمن لم يكسبه من حلال، ولم يُنفقه على المحتاجين من الفقراء والعيال، هكذا علمتنا يا رسول الله، فكنت كثيرًا ما طويت بطنك على جوعٍ، فشددت عليها حجارة تخفف من لَأْواء مغص الجوع، بل إنك رغم ما أفاض الله عليك من نعمة المال كنت تذروه يمينًا وشمالًا على الفقراء والمساكين، تفعل به ما تفعل الريح المرسلة بأوراق الخريف، وهذا هو الغنى الحقيقي الذي تشير إليه في قولك: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس». حتى إذا حانت وفاتك لتوديع الدنيا متُّ ودرعك مرهونة عند يهودي. هكذا تعلمنا عمليا - يا حبيبنا - أنَّ الغنى هو القناعة، فيا لله لعلو نفسك، وعزَّة أخلاقك، وبساطة مدرستك.