مع كلام رب العالمين (الجزء الثاني) محمد بن صالح ناصر

مع كلام رب العالمين 02

الجزء ١ · صفحة ٤٥

ومن اللمسات البيانية الإعجازية في هذه الآيات الثلاث حذف المفعول من الأفعال الثلاثة فقال: فآوى، وهدى، وأغنى، وكان الأصل أن يقال: فآواك، وأهداك، وأغناك هكذا بحذف المفعول، لظهور المراد وهو المخاطب، ولرعاية رؤوس الآي، فإنه لو ذكر الكاف لم ينسجم ذلك مع رؤوس الآي المنتهية بالألف. وقيل إنما حذف ليدل على سعة الكرم، والمراد آواك وآوى لك وبك، وهداك ولك وبك، وأغناك ولك وبك(1).

فهذه الآيات البينات تمهيد لما يأتي بعدها من وصايا يخاطب بها الرسول الكريم، ويقصد بها أمته الإسلامية أمة القرآن، وهي تضع الأسس المتينة للعلاقات الاجتماعية لمجتمعٍ طاهرٍ متماسكٍ متعاونٍ، لا تستبد به الأنانية فينسى المساكين والأيتام، ولا تَنْزو به الشهوات واللذات فيتنكر لمن يَمُدُّ اليد من السائلين وذوي الأرحام. وتأتي الآيات تباعًا وكأنها تُفصِّل ما أوجزت من قبل، في تقابل وتناسق عجيبين.

ژ? ? … ? ??ژ (الضحى: 9).

تذكر يا محمد، ويا أمة محمد أنك كنت ذات يوم يتيمًا يقهرك الحرمان، ويطوِّح بك الفراغ العاطفي بحثًا عن حنان، وكأنَّ الله سبحانه وتعالى يقول لرسوله الحبيب المصطفى: لقد تذوقت مرارة اليتم وأنت صغير، فاستحضر الصورة في حياتك كلها، وتمثَّلها في مخيلتك ما حييت، فإنَّ ذلك مما يدفعك إلى معاملة الأيتام بحنانٍ ولطفٍ، وإنَّ أعزَّ ما يتطلَّع إليه اليتيم لمسة حنانٍ على شعره، ويد حانية تربت على كتفه تعوضه دفء الأهل، وعناية الأقارب، إنها عنده الأمل والأساس قبل الأكل والشراب واللباس. وقد جاءت صيغة النهي في آخر الآية ژ ? ?ژ، لتوحيَ بأنَّ هذا السلوك؛ أي قهر اليتيم مما يغضب الله، ويهتز له العرش.

ژ? ? ? ںںژ (الضحى: 10).

(1) - السامرائي، على طريق التفسير البياني، ج01، ص: 117.

٤٥ / ١٥٦