مع كلام رب العالمين 02
الجزء ١ · صفحة ٦١مِنْ خصائص هذه السورة العظيمة ما يمتاز به أسلوبها من إعجاز رباني، ومشاهد قرآنية مؤثرة متكاملة، إذ نلحظ أنها تتبع في أسلوبها نسقًا واحدًا يعتمد الصور المشاهدة بالتقابل بينها، فهي تقابل مثلا بين صفة الرحمة المطلقة التي هي خاصة بالله وحده، وصفة الضعف البشري المطلق في بعض عباده، ومِنْ حكمة الله تعالى أنْ يختار نماذج للضعف البشري مِنْ عباده المخلصين من الأنبياء والرسل ليوضح لعباده أنَّ المرسلين إنما هم قبل كل شيء بشر رغم تميزهم بأنَّهم يوحى إليهم من عند الله، حتى لا تختلط في أذهان الناس قدسية الخالق بنقص المخلوقين، وحاجتهم الأبدية إلى خالقهم مهما يُؤتِهم من فضله ونعمه.
ومن هنا نلحظ كيف تتابعت مشاهد الرحمة الإلهية مِنْ جهة، ومشاهد الضعف البشري مِنْ جهة أخرى في هذه السورة، بداية من زكرياء، فمريم، فإبراهيم، فموسى، فهارون، فإسماعيل، فإدريس، وكل قصة مِنْ قصص هؤلاء المجتبين تمثل جانب الرحمة المطلقة من عند الله، كما تمثل في الوقت نفسه جانبًا للضعف البشري المطلق. ولعل ذكر بعض التفاصيل يساعدنا على التصور الأمثل لمعاني تكرار كلمة الرحمن في ثنايا السورة كما ذكرنا.
المشهد الأول: زكرياء ويحي عليهما السلام
منذ البداية تشير السورة إلى أنَّ رحمة الله قد أحاطت بعبده زكرياء من كل جانب، فزكرياء يمثل الضعف البشري في كونه قد وهن العظم منه، واشتعل رأسه شيبًا، وامرأته عاقر، ومع ذلك فهو يأمل ويرجو في أن يهبه الله من لدنه وليًّا يرثه ويرث من آل يعقوب، لتستمر الرسالة والنبوة في سلالة يعقوب.