مع كلام رب العالمين 02
الجزء ١ · صفحة ٦٥وهكذا تتقابل مرة أخرى رحمة الله الخارقة للسنن الكونية، صورة تجسد الرحمة الإلهية كما تجسد الضعف البشريَّ في هذه الأنثى الضعيفة المنسية، وتصبح آية للناس جميعًا، ومظهرًا من رحمات الله الجلية التي تُظهِر عظمة الخالق وقدرته، وتأمَّلْ في استعاذة مريم عندما قالت وقد رأت جبريل متمثلا صورة رجل: ژژ ژ … ڑ ڑ ک ک ک … کگژ (مريم: 18)، «إنها استعاذة بالرحمن دون غيره من أسماء الله الحسنى، ذلك أنَّها طلبت من الرحمن أن يرحمها ويحميها مِنْ مثل هذا الاعتداء عليها الذي يحمل الفضيحة، وفيها أيضا استثارة لعاطفة الرحمة في قلب هذا الشخص الواقف أمامها ليرحمها ويتركها وشأنها، فكان أنسب شيء أنْ تستعيذ بالرحمن، هذا إضافة إلى جو السورة التي تشيع فيها الرحمة من أولها إلى آخرها»(1). ورحمة الله لم تتوقف عند معجزة حمل مريم دون ذكَر بل تعدتها إلى ما أحاط لحظة ميلاد ابنها عيسى؛ نفسه، إذ وُلِد مباركًا تُحيط به الرعاية الإلهية مِنْ كل جانب، فهيأ الله خالق الأسباب لمريم رُطَبًا جنيًّا تقتات به لحظة وضعها ژ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (مريم: 25)، ويُفجِّر بين يديها ماءً عذبًا فراتًا، فيأتيها الأكل والشراب حيث هي في هذه الصحراء القاحلة رحمةً مِنْ ربك، ثم يُكرِّم وليدها فيكلم الناس في المهد صبيًّا، ويجعله مباركًا نبيًّا، وبرًّا بوالدته ولم يجعله جبارًّا شقيًّا، وأحاطه برعايته فيما كان يبدأ حياته بالسلام إلى أنْ يُبعَث حيًّا، وهكذا جمعت هذه اللحظة من ميلاد عيسى؛ الرحمات الربانية حيث انقلبت لحظة الميلاد المؤلمة إلى ساعات من العطاء الرباني، فلم يعد ثمة شيء يقال له الضعف البشري لدى مريم؛ لأنَّ خالق الأسباب أبدلها بالضعف النفسي والبدني طاقةً هائلةً من الإيمان القوي، والثقة بربها وحده أنستها كل تلك الأسباب، فسبحان القائل للشيء ژ? ?ژ.
المشهد الثالث: إبراهيم خليل الرحمن
(1) - فاضل صالح السامرائي، على طريقة التفسير البياني، ج01، ص: 27.