مع كلام رب العالمين 02
الجزء ١ · صفحة ٩٤نلحظ منذُ البِّداية أنَّ القرآن الكريم احتفَى بخُلّةِ الإنفاق احتفاء عظيمًا، فَذَكَرَهُ في عدَّة مواضع من سور القرآن، ولكنّه خصص له آيات عديدة متتابعة من سورة البقرة (الآيات:261 - 274). نقرأ فيها تشريعا كاملا، وتنظيما ربّانيًا دقيقًا لكل آداب الإنفاق في المجتمع المسلم، وهو ما يسمّيه بعض الكتّاب؛ نظام الاقتصاد الإسلامي. والواقع لمن يتأمل يلحظ أنّ الأمر يتعدى الاقتصاد إلى جوانب اجتماعية مهمة تمسُّ حياة المسلم وتزكِّيه وتطهره، إذ أنَّ مفهوم الإنفاق كما نرى من الآيات لا يتعلّق بالمال وحده، بل يتعدّاه إلى كل جوانب الإنسان الأخرى، فالإسلام يطلب من المسلم أن يكون غيريًّا لا أنانيًّا، يُفِيضُ من خير ما أعطاه الله على جميع المسلمين من حوله، فالذي أعطاه الله علما أنفق منه حتّى يزداد علمه، ويتوسّع ويُفيد به المجتمع بجميع طبقاته، والذي أتاه الله صحّة أنفق منها في معاونة إخوانه المسلمين بل إخوانه من بني الإنسان بعامّة، وتلك هي زكاة الصّحة والعافية والمعافاة، ومن أوتيَ جاهًا قدّره الله عليه أنفق منه لينفع به الملهوفين، والحيارى، والسّاعين لقضاء حوائجهم الدنيوية، ومن نفَّسّ على مؤمن كُربةً، نفّس الله عليه كربةً من كرب يوم القيامة. وهكذا فإنّ الإنفاق لا يخصُّ الجانب المالي المادِّي وحسب، ولو أنّه يأتي في مقدِّمة هذه الأنواع كلها.
فكيف نظر القرآن إلى مكانة الإنفاق في المجتمع؟
نلحظ منذ البداية إلى أنّ آيات سورة البقرة التي أشرنا إليها سابقا قد اهتمّت بالإنفاق في كل جزئياته وتفصيلاته، فنجد في العنصر الأول: الإنفاق لمن؟ أو بعبارة أخرى من هو الأولى بالإنفاق في المجتمع الإسلامي.
وممّا يشد الأنظار في عناية القرآن بالإنفاق طول التّوجيه إلى الإنفاق، وتنوع أساليب الترغيب والتّرهيب بصدده، لندرك بعض مقاصد القرآن من الإنفاق وهي تتجلّى فيما يلي: