مع كلام رب العالمين 02
الجزء ١ · صفحة ٩٦ثالثًا: ما كان يواجهه القرآن من هذه الطبيعة العربية التي اشتهرت شهرة عامة بالسّخاء والكرم، ولكنّه كان سخاء وكرمًا يقصد به الذِّكر، والصّيت، وثناء النّاس. فلم يكن أمرًا ميسورًا أن يعلمهم الإسلام أن يتصدّقوا دون انتظار لهذا كلِّه، متجرِّدين من هذا كلِّه، متّجهين لله وحده دون النظر إلى الناس، وكأن الأمر في حاجة إلى التربية الطويلة، كما سنرى فيما يأتي(1).
إنّ المجتمع الإسلامي الذي يريده القرآن الكريم؛ هو المجتمع المَبنِي على التّكامل والتعاون، والتَّعاضد؛ المجتمع الذي ينظر فيه كل فرد إلى الجماعة، ويضع نفسه في خدمته بكل إمكاناته التي وهبها الله له، فالمال فيه حق الجماعة، والصحة فيها حق الجماعة، والعلم فيه حق الجماعة، ولذلك سنَّ شرائع تدعو إلى إنفاق هذه المواهب بما يعود بالمصلحة على الكل.
وهو ما جعله - لأهمية المال في نظام هذا المجتمع - يفرض زكاة الأموال وعدَّها الركن الثَّالث بعد الشهادة، وحثَّ إلى جانب هذا الفرض على التطوع بالإنفاق، لأنّ الله أدرى بطبيعة عباده الشحيحة الأنانية، وقد عالج القرآن هذه النوازع الشيطانية بحكمة وتعقُّل، بأساليب مختلفة هي الترغيب حينا، والترهيب حينًا آخر، كما سنرى في هذه الآيات التي نحن بصدد التأمل فيها.
ولكي يترسّخ المشهد في الأذهان، ويوقظ الأحاسيس الإيجابية التي يريدها الله من عبده المؤمن عند الإنفاق، يورد ما يقابله من مشهد، ويضعها على خُلّتين اثنتين هما ما يتطلّبه الله من المنفِق المؤمن؛ وهما ابتغاء مرضات الله، وتثبيت النّفس، لأنَّ الإنفاق مواجهة دائمة بين المؤمن والشيطان، وصراع مستمر بين نوازع النفس الأمارة بالسوء، ورغبات النفس المؤمنة المتطلِّعة دوما إلى رضى الله. مجاهدة للنفس، ومغالبة للشّيطان، ژ ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ژ (البقرة: 268).
(1) 1 - في ظلال القرآن، ج1، ص 460.