مع كلام رب العالمين (الجزء الثاني) محمد بن صالح ناصر

مع كلام رب العالمين 02

الجزء ١ · صفحة ٩٧

والواقع أنّ القرآن اهتم منذ البداية بمكانة المنفقين في سبيل الله، وما أعدّه لهم من خير عميم، وثواب جزيل، فرغّب بذلك المؤمن بهذا التنويه، وقدّم القرآن لذلك صورة رائعة من مشاهده الآسرة حتى يقرب الصورة من أذهان المؤمنين، وذلك دأب القرآن بتقريب المشاهد المجرّدة بالأمثلة الواضحة والصور الناطقة التي لا يمكن أن تخفى على الإنسان العادي، لأنها مستقاة من حياته الواقعية المعيشة، وذلك حيث يقول تعالى: ژچ ? ? ? ? ? ? ? … ? ? ? ژ … ژ ڑ ڑک ک ک … ک گگ گ گ ??ژ (البقرة: 261). كل متأمل في هذه الصورة التمثيلية الرائعة، يدرك بأنّ الإنفاق ليس له حدود أجرًا أو مثوبة، فعلى الرّغم من أنّ المنفق يعوض الله عليه مقابل كلِّ حسنة واحدة ينفقها بسبعمائة ضعف، فإنّ هذه المضاعفة الغنيّة الواسعة لم تقف عند حد حسابي مادِّي ينتهي عنده العدُّ، ولكن الأجر يتضاعف عند الله بإرادة الله إلى ما لانهاية، لأنّ الجزاء عندئذ يكون من عند الله الغنيِّ الحميد، لأنّ فضله واسع وهو عليم بخفايا الصّدور ونيات الناس عند الإنفاق، أيريدون بها وجه الله؟ أم يريدون مبتغى آخر من المبتغيات الدنيوية المادِّية المحدودة؟

إنّها صورة بسيطة واقعيّة، ولكنّها غنيّة حيّة بالمشاعر والأحاسيس، فبقدر ما تصف واقعا يعرفه كل النّاس حتى البسطاء منهم، فإنّه هُنا يعلِّمنا منذ البداية على أنّ النّية في الإنفاق تسبق الفعل وتقوِّيه، وتُؤازره، وتبني عليه، إذ لا مكانة عند الله لنفقة يريد صاحبها ما عند النّاس كما سنرى ذلك فيما يلي من الآيات التي تحتفي بهذه الجزئيّة القلبية المهمة؛ وهي من أساسات العقيدة المحمّدية.

وقد ذكر العلماء سبب نزول هذه الآية الكريمة، وأغلبهم يقول إنّها نزلت في ثالث الخلفاء الرّاشدين عثمان بن عفّان - رضي الله عنه -، فقد قال الكلبي نزلت في عثمان …(1).

(1) 1 - د. وهبة الزحيلي، التفسير المنير، ج1، ص: 42.

2 - ينظر المصدر السّابق، نفسه.

٩٧ / ١٥٦