أثر الإيمان باليوم الآخر على السلوك الاقتصادي للمسلم لمحمد حمدي
الجزء ١ · صفحة ١٢انطلاقا من الأسلوب الإسلامي في الترغيب و الترهيب و التشويق و التحذير، يستخدم القرآن نفس الطريقة في التحفيز على الإنتاج و العمارة، و التحذير من التكاسل و البطالة و سوء استخدام الموارد بالظلم وأكل أموال الناس بالباطل.
أولا: التحفيز و التشويق
يقول الرسول (ص) " من غرس غرسا فأكل منه طير أو بهيمة كان له فيه صدقة "(1) … فهذا الأثر النبوي يضفي العبادة على الغراسة التي هي نوع من أنواع العمارة و الإحياء، وقد روى بعض العلماء أنه من غرس غرسا يكون له أجرها ولو بعد موته مادامت تلك الغراس قائمة، وذكروا أنه من غرس أربعين غرسة حتى أخذت من الأرض فهي فكاكه من النار(2) ، بهذا غدت الغراسة و الزراعة صنف من أصناف العبادة التي ترفع الدرجات و تمحو الخطايا و تكون سترا بين الإنسان و النار، وهناك أثر آخر يحمل نفس الدلالة: سبع يجري للعبد أجرهن و هو في قبره بعد موته: من كرى نهرا – يعني أجرى نهرا- أو حفر بئرا أو غرس نخلا أو بنى مسجدا أو علّم علما أو ورّث مصحفا أو ترك ولدا صالحا بعد موته"(3).
فالعمارة المتمثلة في استصلاح الأراضي و إحيائها، إلى جانب أهميتها المادية في دفع عجلة التنمية و توفير حاجات المجتمع، تمثل حافرا مهما لنيل ثواب الآخرة، فإذا اعتقد المسلم أن جهده لن يضيع حتى و لو لم ينل ثمرة جهده في الدنيا لسبب من الأسباب، فهو على يقين تام أن أجره الأخروي مدخر و لم يضيع.
هكذا تفعل عقيدة الإيمان بتحفيز العمارة و رفعها إلى مقام العبادة التي ينال بها حسنة الدنيا و الآخرة، فإذا كانت ثمرة الدنيا احتمالية فإن ثمرة الآخرة مضمونة بلا ريب، فهذا يجعل المستثمر و
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحرث، ج:5،ص:3، رقم:2320
(2) أبو العباس أحمد بن محمد، القسمة و أصول الأرضين، ص:459
(3) أخرجه السيوطي في الجامع الصغير، أنظر: مختصر شرح الجامع الصغير للمناوي، ط:1 دار إحياء الكتب العربية، ج:2، ص:50