أثر الإيمان باليوم الآخر على السلوك الاقتصادي للمسلم محمد بن صالح حمدي

أثر الإيمان باليوم الآخر على السلوك الاقتصادي للمسلم لمحمد حمدي

الجزء ١ · صفحة ١٥

العرض، فالطلب هو الموجه الرئيس لدفة الاقتصاد، حيث أن الإنتاج و نمطه يرجع أساسا إلى الطلب السوقي على السلع المنتجة و تحديد أسعارها، فالموارد تخصص وفقا لاتجاهات الطلب.

ونظرا لقيمة الطلب (الإنفاق) فقد اعتنى به القرآن الكريم و خص له آيات كثيرة في الحث عليه و بيان أنواعه وشروطه وجعل الإنفاق في سبيل الله صفة من صفات المتقين و بيّن الجزاء الذي أعده الله تعالى للمنفقين، و بالمقابل توعد البخل و التقتير و الاكتناز وكلها صفات تتنافى مع الإنفاق. وللتحفيز على الإنفاق فقد ربطه ربطا وثيقا بالإيمان باليوم الآخر المتمثل في الثواب الأخروي الذي أعده الله للمنفقين، بالإضافة إلى الخير العاجل في الدنيا.

ولما كانت حقيقة الإنفاق هو تخلي الإنسان عن جزء من ماله إلى جهة ما، فهذا الأمر يحتاج إلى باعث و دافع قوي لكي يسهل عليه إخراج المال، خاصة إذا علمنا أن الإنسان بفطرته يضن بالمال و يستأثر به و يصعب عنه التضحية به، وقد أكد القرآن الكريم على هذه الحقيقة الإنسانية ﴿و إنه لحب الخير لشديد﴾ [العديات:8]. كما أن الطبيعة البشرية تنتظر المقابل و تود المكافأة حين تقدم على الإنفاق على الغير للتغلب على الإمساك المركوزة في نفسه. لكن الشرع الحنيف عالج هذا الجانب النفسي من غريزة حب التملك بمشروعية الإنفاق، فجعل هذا التشريع مقرونا بالجزاء المترتب بالخلف و المضاعفة و الوفاء، وتؤكد على حصول المقابل في الآخرة ما هو أعظم من هذه الأموال في الحياة الدنيا(1)

انطلاقا من نظرة التوازن في الجزاء الأخروي في القرآن الكريم بين الوعد و الوعيد، فقد ذكّر بالوعيد الشديد للممتنعين عن الإنفاق و مكتنزي الأموال و الممسكين عن أداء حقوق المال ﴿و الذين يكنزون الذهب و الفضة و لا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾ [التوبة:34]

وهذه النظرة القرآنية تجعل المؤمن باليوم الآخر حذرا يقظا و مدركا للمسؤولية الكاملة على تصرفاته وهو موقن انه سيقف يوما ما بين يدي الله للحساب و الجزاء.

(1) باسم أحمد عامر، نظرية الإنفاق في ضوء القرآن الكريم، ص:194

١٥ / ٢٤