أثر الإيمان باليوم الآخر على السلوك الاقتصادي للمسلم محمد بن صالح حمدي

أثر الإيمان باليوم الآخر على السلوك الاقتصادي للمسلم لمحمد حمدي

الجزء ١ · صفحة ١٧

حتى و لو اتخذت مظهرا معينا، فحاجة الإنسان للطعام مثلا ليست لعنصر معين من عناصر الإنسان، وإنما هي حاجة كل الإنسان، لأن الجسم لا يشبع وحده بمعزل من بقية العناصر، كما أن الطعام يؤثر في الروح و الفكر كما يؤثر في الجسم، ومن ثمّ اشترط الإسلام في الطعام أن يكون طيبا ذاتا و معنى و أن يحقق التوازن بين عناصر الإنتاج ما أمكن. ومن جهة أخرى فالحاجة ليست مجرد تحقيق لذة أو دفع ألم، كم يذهب الفكر الوضعي، وإنما هي وظيفة موضوعية هي المحافظة على القوى و العناصر الإنسانية المختلفة و العمل على تنميتها و ترقيتها، فحاجة الإنسان للأكل ليست لدفع ألم الجوع أو تحقيق لذة الشبع فحسب و إنما للمحافظة على الجسم و بناء خلاياه(1).

و الإسلام حين ينظر إلى الاستهلاك بهذا المفهوم الواسع و يضعه في إطار رسالة الإنسان، وأنه فطري و من ثمة فهو ضروري، وكل ما كان كذلك فلا يمنع الإسلام منه بل يقف منه موقف الحث و الترغيب غير مكتف بدافع الفطرة و الغريزة، فبقاء الإنسان و استمرارية نوعه ليعمر الأرض ويكون خليفة فيها بحق و يعبد الله لا يتأتي إلا بالاستهلاك.

ولو استعرضنا الآيات البيّنات في موضوع الاستهلاك نجدها تحث على الاستمتاع بالطيبات ضمن ضوابط محددة و غاية سامية مع شكر المنعم و حسن عبادته، والتذكير بالمصير الذي نهاية كل مخلوق، إذ يقول تعالى في هذا الصدد: ﴿هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها و كلوا من رزقه و إليه النشور﴾ [الملك:15] وفي صيغة الإنكار على من يحرم على نفسه التمتع بالطيبات يقول تعالى: ﴿قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده و الطبيات من الرزق﴾ [الأعراف:31]، وعلى سبيل الحث و الأخذ بمظاهر الحياة و الشعور بنعمة الله في حدود الاعتدال يقول تعالى: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا و اشربوا و لا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ [الأعراف:31]

(1) محمد حمدي مدخل إلى الاقتصاد الإسلامي، مرجع سابق، ص:65

١٧ / ٢٤