أثر الإيمان باليوم الآخر على السلوك الاقتصادي للمسلم لمحمد حمدي
الجزء ١ · صفحة ١٨فالقرآن الكريم يحدد ثلاث مناطق ومراتب الاستهلاك و الإنفاق وهي: الإسراف و القوامة و التقتير و ينهي المسلم عن دخول منطقتين وهما الإسراف و التقتير و يبيح له البقاء في المنطقة الوسطى و هي القوامة، فيقول تعالى: ﴿و الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما﴾ [الفرقان:67]
وعلى النقيض من ذلك جاء التحذير من الإسراف و التبذير الذي يُعدّ تبديدا للموارد الاقتصادية في غير موضعها و حرمان المستحقين لنصيبهم العادل منها وربط النص القرآني مصير المبذرين بمصير الشيطان،(1) وهذا نذير عقاب و عذاب واقع لا محالة، إذ يقول تعالى: ﴿و آت ذا القربى حقه و المسكين و ابن السبيل و لا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشيطان و كان الشيطان لربه كفورا﴾ [الإسراء:27]
وقد عدّد الرسول (ص) مظاهر الإسراف محذرا منها و متوعدا المسرف بأشد العذاب يوم القيامة، منها استعمال آنية الذهب و الفضة التي توحي بالخروج من منطقة القوامة و الاعتدال إلى الإسراف و التبذير والبطر و الكبر و ينمّ عن التعالي عن الناس و عن الأعراف المعهودة في أدوات الأكل و الشراب و وضع الأشياء في غير محلها و يقول عليه السلام:" إن الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم"(2)
نتأمل هذا الحديث الذي ربط بين الإسراف في استخدام النعم في غير محلها في الدنيا و العذاب الأليم الذي أعده الله للمسرفين المبذرين يوم القيامة، فالمؤمن الحق لا يفكر أصلا في هذا السلوك الخلقي الشائن لكونه يعيش في منطقة القوامة مهما كان كسبه و ماله، إلا أن هذا الوعيد يعصم من النفس الأمارة بالسوء، ويجعل حرمانها من الشرب في آنية الفضة في الدنيا سببا للفوز بالجنة و التمتع بنعيمها الذي يتضمن الأكل و الشرب في آنية الذهب و الفضة، فيقول تعالى: {و جزاهم بما صبروا جنة و حريرا متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا و لا زمهريرا و دانية عليه
(1) محمد سمير نوفل، دور العقيدة في الاقتصاد الإسلامي، ص:326
(2) رواه غبن ماجه في سننه،، كتاب الأشربة، باب الشرب في آنية الفضة