أثر الإيمان باليوم الآخر على السلوك الاقتصادي للمسلم لمحمد حمدي
الجزء ١ · صفحة ٨الإيمان باليوم الآخر له دور كبير في استقامة العبد، فالذي يعلم أن هناك حسابا على ما يفعله من أخطاء، وأن هناك جحيما أبديا يودع فيه المجرمون المكذبون بيوم الدين، فإن ذلك من شأنه أن يدفعه لاجتناب الوقوع في المعاصي، فإن زلت قدمه يوما سارع بالاعتذار و الندم و طلب العفو و الصفح. فهو ركن ركين من أركان صرح الإيمان، لذلك كان و لا يزال الكفار و المشركون ومن سار على نهجهم يتشككون في قضية البعث و الحساب.(1)
و لأهمية الموضوع و ضرورة الإيمان الراسخ به، فلقد أفرد له القرآن مساحة كبيرة و تناوله من عدة جوانب، تناوله من جانب إثباته بالأدلة العقلية الدامغة، على قدرة الواحد القهار على إحياء الموتى و إعادة خلقهم من جديد للحساب و الجزاء، ومن جانب وصف أحداثه بشيء من التفصيل مع التركيز على مخاطبة المشاعر ترغيبا و ترهيبا تشويقا و تحذيرا، بشتى الصور و المشاهد، لحمل النفس على الطاعة واجتناب المعاصي، ومن جانب آخر يمثل الإيمان باليوم الآخر تحقيق العدل الإلهي الذي لا يكون إلا في تلك الدار ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا و إن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها و كفى بنا حاسبين﴾ [الأنبياء: 46] فالدنيا دار ابتلاء و اختبار، فقد يظلم العباد بعضهم بعضا، ومنهم من يقترف الذنوب و يجترح السيئات و لا يقتص منه، وهذا يتنافى مع العدل الإلهي الذي قامت عليه السماوات و الأرض، إلا أن هناك منزلة أخرى و محطة نهائية حيث تلتقي الخلائق أمام محكمة الله العادلة في ذلك اليوم المشهود لينال كل فرد جزاء عمله و كسبه.
3خاصية الوحدة الزمانية بين الدنيا و الآخرة
من خصائص الإيمان باليوم الآخر أنه يعطي للحياة الإنسانية بعدا زمنيا لا متناهيا و لا محدودا، لكونه يربط ارتباطا وثيقا بين الحياتين، الدنيا و الآخرة، من حيث التصور و العمل، رغم انفصالهما بالفناء الأول و الحياة البرزخية التي هي مرحلة انتقالية، فإذا سلّم الإنسان بهذه العلاقة
(1) بناء الإيمان من خلال القرآن، مجدي الهلالي، ص:66