أسماء الذم بين مقصد حفظ الدين وحفظ سائر الكليات الأخرى لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ١٠وفيما يخصُّ أسماء الذمِّ فكثيرا ما يستند علماء الكلام إلى ظنِّيِّ الدلالة من القرآن أو على أحاديث آحاديَّة، وقد تكون ظنِّيَّة الدلالة أيضا، ويقومون بتنزيلها على الفرق المخالفة وآرائها؛ فيظنُّها غير المتخصِّص في الشريعة أقوالا لا تعقيب عليها؛ لأنها تستند على القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه. وهنا مكمن الخطر، فيرتفع الرأي والاجتهاد في فهم النصِّ الظنِّيِّ الثبوت أو الدلالة إلى مرتبة الوحي المقدَّس.
ب- اعتماد إلزامات ظنِّيَّة:
أقرَّ الإمام أبو حامد الغزاليُّ بأنَّ كلَّ فرقة ترمي الأخرى بتكذيب شيء ممَّا جاء به القرآن أو الرَّسُول J، إذ قال: « … لأَنَّ كُلَّ فرقة تكفِّر مخالفتها، وتنسبها إلى تكذيب الرَّسُول. فالحنبليُّ يكفِّر الأشعريَّ زاعما أَنَّهُ كذَّب الرسول في إثبات الفوق لله تعالى [ … ] والأشعريُّ يكفِّره زاعما أَنَّهُ شبَّه وكذَّب الرسول [ … ] والأشعريُّ يكفِّر المعتزليَّ زاعما أَنَّهُ كذَّب الرسول في جواز رؤية الله تعالى [ … ] والمعتزليُّ يكفِّر الأشعريَّ زاعما أَنَّ إثبات الصفات تكثير للقدماء [ … ] ولا ينجِّيك من هذه الورطة إلاَّ أن تعرف حدَّ التكذيب والتصديق وحقيقتهما فيه؛ فينكشف لك غلوُّ هذه الفرق، وإسرافها في تكفير بعضها بعضًا»(1)؛ وما الجدال في أغلبه بين الفرق إلاَّ إلزامات!. وبالتالي نلاحظ أنَّ هذه الطريقة ليست دوما قطعيَّة؛ لأنَّها تُلزم الخصم بما لم يقله، وقد يُتأوَّل كلامه على غير مراده، وقد يُبتر من سياقه …
لذلك لا بدَّ من الابتعاد عن الإلزامات؛ لأنَّ أغلبها ظنِّيٌّ والغزاليُّ نفسه لم يسلم من الوقوع فيما عابه على غيره، إذ كفَّر الفلاسفة في ثلاث قضايا(2)، مع أَنَّهُم مؤوِّلون غير مكذِّبين، فجاء ابن رشد ليبيِّنَ أنَّه كان مخطئا في تكفيره، وأنَّهُ لم يكن قاطعًا فيه(3).
ثانيًا: الواقع العملي
إنَّ علماء الإسلام قديما وحديثا بقدر ما تحرَّوا في مسائل الدماء، وحذَّروا من مغبَّة التساهل فيها … إلاَّ أنَّ التطبيق العمليَّ صعُب في كثير من الأحيان الالتزام بذلك. ولا ريب أنَّ الواقع الذي نعيشه - منذ افتراق الأمَّة طرائق قددًا - من التكفير وما في معناه بين الفرق الإسلاميَّة أكبر شاهد، ولهذه الظاهرة أسبابها في تراثنا
(1) فيصل التفرقة، ص24. ومن ذَلِكَ اتِّهَام أبي عَمَّار المخطئين في التأويل بالكذب على الله، أو التكذيب بالصدق: ﴿فَمَنَ اَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ ((أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ (سورة الزمر: 32)؛ وبالتالي يسوغ الحكم عَلَيْهِم بالكفر. ينظر: أبو عَمَّار: الموجز، 2/ 262.
(2) حسب تصريح الغزالي، فقد كفَّرهم في إنكارهم حشر الأجساد، وفي إنكارهم العقوبات الحِسِّيَّة في الآخرة، وفي «أَنَّ الله لا يعلم إِلاَّ نفسه، وَأَنَّهُ لا يعلم إِلاَّ الكلِّيَّات»، فهذه عنده «أَوَّل درجات الزندقة»، وهي زندقة مقيَّدة لا مطلقة. ينظر: فيصل التفرقة، ص51 - 53. وأَمَّا حسب تعبير ابن رشد فقد كفَّرهم «في القول بقدم العالم، وبأنَّهُ تعالى لا يعلم الجزئيَّات تعالى عن ذلك، وفي تأويل ما جاء في حشر الأجساد وأحوال المعاد». فصل المقال، ص39.
(3) وأرجع خطأه إمَّا إلى سوء فهم مقصود الفلاسفة، أو إلى الاختلاف في التسميات. ينظر: فصل المقال، ص39 - 45. تهافت التهافت، ص43، وفي أغلب الكتاب.