أسماء الذم بين مقصد حفظ الدين وحفظ سائر الكليات الأخرى لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٩عبده(1) هذا الكلام من القواعد الدِّينيَّة المشتهرة بين المسلمين(2).
ويقول الدكتور محمَّد عمارة: «فالتقريب بين المذاهب، والذي يمثِّلُ الميدان الحقيقيَّ الفكريَّ المطلوب، هو الذي يوحِّد الأُمَّة في الأصول والثوابت، وفي أمَّهات العقائد والمسائل الفكريَّة .. وهذا هو ميدان علم الكلام .. والجهد التقريبيُّ ـ الغائب والمطلوب ـ هو نزع (الألغام الفكريَّة - التكفيريَّة) التي تقصم وحدة الأُمَّة بالتكفير لفريق من الفرقاء، أو مذهب من المذاهب؛ لأَنَّ التكفير هو نفيٌ للآخر، يقصم وحدة الأُمَّة … »(3).
2 - الجانب الظني من مقصد حفظ الدين:
إنَّ أغلب الفرق الإسلاميَّة ترى نفسها هي الممثِّل الوحيد للإسلام، والمسائل التي تتميَّز بها هي من قبيل القطعيِّ، إذ الاعتقاد ينبغي أن يكون جازما، ومن باب حفظ الدين عليها أن تستميت في الدفاع عن آرائها. وهذا لا عتاب عليه إذا لم يؤدِّ إلى إقصاء الآخر، وإنَّما العتاب في اعتبار المخالف في تلك المسائل الكلاميَّة أو السياسيَّة خارجا عن حظيرة الدين، وإطلاق أبشع الأسماء عليه. وهذا الإقصاء مبنيٌّ غالبا على أدلَّة ظنيَّة، منها: أدلَّة القرآن الظنيَّة الدلالة، وأدلَّة السنَّة الظنِّيَّة الثبوت أو الدلالة، والأقيسة والإلزامات الظنِّيَّة، وبيان ذلك في الآتي باختصار حسب ما يسمح به المقام:
أ- اعتماد أدلَّة ظنيَّة الثبوت أو الدلالة:
لا شكَّ أَنَّ القرآن قطعيُّ الثبوت، وأنَّه هو المرجع الأوَّل قبل الاختلاف وبعده، قال تعالى: ﴿يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُومِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ ذَالِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً﴾ (سورة النساء: 59). وممَّا لا شكَّ فيه أيضا أنَّ في القرآن الكريم ما هو ظنِّيُّ الدلالة. وكلُّ الفرق الإسلاميَّة تدَّعي اعتمادها على محكمات القرآن وتذر متشابهه، ويمكن أن تجد فيه - ولو بتكلُّف أحيانا - ما يؤيِّد وجهة نظرها. كما أنَّ في السنَّة ظنِّيُّ الثبوت أو الدلالة، أو كلاهما؛ وبالتالي فإنَّ الخلاف لن يُحسم.
والآية لم تَنُصَّ على أَنَّ التنازع يرتفع بالكلِّيَّةِ إذا تمَّ الرَّدُّ إلى الله والرسول (القرآن والسنَّة)؛ لأَنَّ الاختلاف في الفهم من سنن الله في البشر، وإنَّما نصَّت على أَنَّ ذلك خير وأحسن مرجعا ومصيرا؛ فإذا بحثنا في مسألة خلافيَّة، ووجدنا أَنَّ المخالف يستند فيها إلى القرآن والسنَّة عذرناه وإن لم نتَّفقْ معه في الرأي، وفي هذا خير عميم، ومآل قويم، وهو جمع الشمل، وتقبُّل رأي المسلم الآخر بقبول حسن.
(1) محَمَّد عبده بن حسن خير الله (1266 - 1323هـ/ 1849 - 1905م): أحد أقطاب زعماء الإصلاح في العالم الإسلامي. ينظر: أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص357 - 429. الزركلي: الأعلام، 6/ 252 - 253.
(2) ينظر: الأعمال الكاملة للإمام محَمَّد عبده، دراسة وتحقيق: د. محَمَّد عمارة، طبعة بيروت، 1972، 3/ 283 - 289. نقلا عن محَمَّد عمارة: فتنة التكفير، ص23.
(3) محَمَّد عمارة: المرجع نفسه، ص45.