أسماء الذم بين مقصد حفظ الدين وحفظ سائر الكليات الأخرى لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ١٧ذُكرت الألقاب المستحدثة (الإباضيَّة، أو الأشاعرة، أو أهل السُّنَّة، أو السَّلفيَّة … ) فليس للافتخار بها ووسم المخالف بضدِّها، وإنَّما للتمييز العِلمِيِّ بين المناهج.
كما دعا بعض أولئك الباحثين إلى عدم إثارة المسائل الكلاميَّة الخلافيَّة أصلا؛ والتركيز على النقاط المشتركة التي تجمعهم، ولو في أصول تلك القضايا الخلافيَّة نفسها. وبما أنَّ الله تعالى سمَّانا أُمَّة واحدة(1)، فلا بُدَّ أن تكون هناك قواعد وأصول تجمعنا. والجمع على تلك الأصول والقواعد أمر ممكن عَمَلِيًّا إذا صدقت النوايا. وإنَّ العالَم الغربيَّ اليوم يعيش تكتُّلات وتجمُّعات، رغم ما بينهم من اختلافات وتناقضات! ﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسِبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ (سورة الحشر: 14)، ونحن ـ إذا خلصت النوايا ـ نستطيع أن لا يكون بيننا أيُّ بأس، ونكون جميعا، وقلوبنا واحدة!.
نستطيع ذلك إذا صدقت العزائم، وزال بيننا «التحاسد أو التباغض، والتكالب على الحظوظ العاجلة، ومنها: طلب الرياسة والاستبداد بالأمر … وجمعُ الأُمَّة على الفطرة الإسلاميَّة بعد تشعُّب الخلاف ممكن عقلا … »(2).
2 - لا تكفير إلاَّ فيما نصَّ عليه القرآن قطعيًّا:
دعا الإمام أبو حامد الغزاليُّ إلى أن لا كفر في غير التكذيب المحض للرَّسُول J في شيء ممَّا جاء به(3)، وأوصانا قائلا: «أَمَّا الوصيَّة فأن تكفَّ لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك ما داموا قائلين: لا إله إلاَّ الله محمَّد رسول الله، غير مناقضين لها. والمناقضة تجويزهم الكذب على رسول الله J ، بعذر أو غير عذر، فإنَّ التكفير فيه خطر»(4)، وهو معيار مهمٌّ، إلاَّ أننا نعقِّب عليه بما يأتي:
1 - أنَّ في الكبائر العمليَّة ما هو منصوص على تكفير مرتكبيها، ككفر من لم يحكم بما أنزل الله، وكترك الصلاة، وقتال المسلم، فلا يسوغ العدول فيها عمَّا كان منصوصا عليه، فإن كان عن تكذيب قطعيٍّ ثبوتا ودلالة فهو كفر شرك، وإن كان عن انتهاك فهو كفر دون كفر، أو كفر نعمة، لا يخرج صاحبه من الملَّة، ويحافظ صاحبها بكلِّ حقوق المسلم.
- أنَّ هناك أعمالا لا تكذيب فيها تعدُّ كفرًا، كإلقاء المصحف في القاذورات، حسب تعقيب التفتازاني على
(1) كما في قَوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمُ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (سورة الحجِّ: 78). والآيات في هذا الموضوع كثيرة، ينظر: هاني ساعي: القانون في عقائد الفرق، ص22 - 23.
(2) السالمي: العقد الثمين، 1/ 126 - 127. أبو بشير: نهضة، ص123 - 124.
(3) فيصل التفرقة، ص27 - 28، 39. وينظر: محمَّد عمارة: فتنة التكفير، ص51.
(4) فيصل التفرقة، ص55. وينظر: محمَّد عمارة: فتنة التكفير، ص53. وللإمام الحسن البنَّا كلام شبيه به إذ قال في رسالة التعاليم: «لا نكفِّر مسلما أقرَّ بالشهادتين، وعمل بمقتضاهما وأدَّى الفرائض، برأي أو معصية، إلاَّ إن أقرَّ بكلمة الكفر، وأنكر معلوما من الدين بالضرورة، أو كذَّب صريح القرآن، أو فَسَّرَه على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربيَّة بحال، أو عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر». الهضيبي: دعاة لا قضاة، ص9.