أسماء الذم بين مقصد حفظ الدين وحفظ سائر الكليات الأخرى للشريعة الإسلامية مصطفى بن محمد شريفي

أسماء الذم بين مقصد حفظ الدين وحفظ سائر الكليات الأخرى لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ١٩

وعلى كلِّ من يتعرَّض لمثل هذا الموقف أن يسعى للتركيز على ما يوحِّد الأُمَّة لا على ما يفرِّقها. وفي المنهج القرآنيِّ إشارة إلى أنَّك لست ملزما بإظهار موقفك إذا خفت على الدعوة، فهذا سيِّدنا موسى - عليه السلام - لَمَّا سأله فرعونُ و ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الاُولَى﴾ (سورة طه: 51)، لم يجبه سيِّدُنا موسى بإطلاق أحد الأسماء: إنَّها مشركة، أو كافرة، أو فاسقة … ولم يذكر أحكامها الأُخرويَّة بأنَّهَا من أهل النار … وإنَّما ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ (سورة طه: 52). فما نستفيده من هذا الموقف هو:

- أن لا نتشبَّه بفرعون في استعراض رأي الناس، ممَّا نعلم سلفا أَنَّهُ يخالفنا أو يسوؤنا، ففي مؤتمرات التقارب بين المذاهب الإسلاميَّة لا يسائل السُّنِّيُّ والإباضيُّ الشيعيَّ عن معتقداته، ولا العكس، وإنَّما علينا أن نعمل فيما اتَّفَقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه.

- أن تكون لنا في سيِّدنا موسى - عليه السلام - أسوة حسنة، نردِّد في شأن سلف هذه الأُمَّة قوله تعالى على لسان موسى - عليه السلام -: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ (سورة طه: 52)، أو ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (سورة البقرة: 134، 141)، قصْدَ الحفاظ على الدعوة الإسلاميَّة، وعلى وحدة الأُمَّة، وعدم التنازع، امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (سورة الأنفال: 46).

5 - التماس العذر للجميع دون تمييز بين موافق ومخالف:

لا نعدم في تراثنا من يدعو إلى التماس العذر للجميع دون تمييز بين موافق ومخالف، ولنضرب بأنموذجين:

- أحدهما سُنِّيٌّ، وهو الإمام الغزاليُّ، وقد سبق أن ذكرنا عتابه على من يلتمس العذر للخلاف بين الأشاعرة، ولا يلتمس مثله للخلاف بين أهل السُّنَّة والمعتزلة(1).

- ثانيهما زيديٌّ معتزليٌّ، وهو البستيُّ، إذ يلتمس العذر والتأويل لمقالاتٍ لبعض شيوخ المعتزلة ممَّا قد يَعُدُّه قارئُها كفرا صريحا في حقِّ الله تعالى(2)، والذي يمنع من إصدار حكم التكفير في مثل هذه المواقف هو وجود التأويل.

6 - نقد التراث، وتعديل المقررات:

نضمُّ صوتنا إلى صوت الدكتور محمَّد عمارة بالتوصية بـ «وضع خُطَّة ـ طويلة المدى ـ لتهذيب كتب التراث في المذاهب الإسلاميَّة المختلفة، وحذف المأثورات والمقولات والأحكام التكفيريَّة الواردة فيها؛ وذلك لاستبعاد هذه ”الألغام التكفيريَّة“ من المادَّة العلميَّة التي تُقَدَّمُ للأجيال الجديدة في الحوزات والجامعات

(1) ينظر: فيصل التفرقة، ص24 - 25.

(2) أورد عدَّة أمثلة، منها ما نسبه إلى النظَّام أنَّه «اعتقدَ أَنَّ الله تعالى لا يقْدر على ما لو فعله لكان قبيحا، واعتقد في كثير من الأجناس المقدورة لله تعالى أنَّها ليست بمقدورة له، وفي كثير منها أنَّه يفعلها بواسطة لا يتأتَّى منه الابتداء بها». البستي: البحث عن أدلَّة التكفير، ص82.

١٩ / ٢٨