أسماء الذم بين مقصد حفظ الدين وحفظ سائر الكليات الأخرى للشريعة الإسلامية مصطفى بن محمد شريفي

أسماء الذم بين مقصد حفظ الدين وحفظ سائر الكليات الأخرى لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٥

أ- رحمة الشريعة الإسلاميَّة ويسرها أمر قطعيٌّ:

إِنَّ مقصد التيسير ونفي الحرج من المقاصد القطعيَّة في الشريعة الإسلاميَّة(1)، فقد تكرَّر في القرآن الكريم التنصيص على هذا المقصد تكرارا ينفي عنه أيَّ احتمال للمجاز أو التأويل، منها قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (سورة البقرة: 185)، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فيِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (سورة الحج: 78)، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُّخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ (سورة النساء: 28)، كما نصَّ الله تعالى على أَنَّ الرَّسُول J جاء رحمة للعالمين: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (سورة الأنبياء: 107). ودعا - عليه السلام - في عدَّة أحاديث إلى التيسير وعدم التشديد، منها قوله لمعاذ وأبي موسى الأشعريِّ لَمَّا بعثهما إِلىَ اليمن: «يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلاَ تَخْتَلِفَا»(2). وقوله J: « بُعثت بالحنيفيَّة السمحة»(3)، وقوله: «عَلَيْكُمْ مَا تُطِيقُونَ مِنَ الأَعْمَالِ»(4)، وقوله: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ؛ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا»(5) …

ولكن مع كلِّ هذا فإنَّ من العلماء من يميل إلى التشدُّد والتشديد في الدين، فيوسِّعون من دائرة الإلزام، ويضيِّقون من دائرة المباح و «إنَّ توسيع دائرة الإلزام ليس من مقصودات الشريعة، بل العكس هو الصحيح»(6)؛ لِذَلِكَ شدَّد النَّبيء J النكير على من يضيِّقها، ففي الصحيحين: «إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ»(7)، لأَنَّ في ذَلِكَ تضييقا لدائرة العفو والرحمة، وهو خلاف ما أمرنا به رسول الله J: « ما أحلَّ الله في كتابه فهو حلال، وما حرَّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله العافية فإنَّ الله لم يكن نسيًّا»، وتلا هذه الآية: ﴿ومَا كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [سورة مريم: 64](8).

وقد تعرَّضت دائرة الدين إلى تقليص شديد حَتَّى بدا أيُّ انحراف عن خطِّ المذهب قيد أنملة، ولو في قَضِيَّة اجْتِهَادِيَّة، انحرافا عن الدين، يعرِّض صاحبه إلى شفا حفرة من النار!.

(1) ينظر: ابن عاشور: مقاصد، ص42.

(2) متَّفق عليه. البخاري: كِتَاب الجهاد والسير، باب ما يُكره من التنازع والاختلاف … رقم: 2873، 3/ 1104. مسلم: كتاب الجهاد والسير، باب الأمر بالتيسير وترك التنفير، رقم: 1733، 3/ 1359.

(3) رواه أحمد في باقي مسند الأنصار، حديث أبي أمامة الباهلي، رقم: 22345، 5/ 266. قال العجلوني: «رواه أحمد في مسنده بسند حسن». كشف الخفاء، 1/ 52.

(4) نصُّ الحديث: «عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ J فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قُلْتُ: فُلاَنَةُ لاَ تَنَامُ بِاللَّيْلِ، فَذُكِرَ مِنْ صَلاَتِهَا، فَقَالَ: مَهْ! عَلَيْكُمْ مَا تُطِيقُونَ مِنَ الأَعْمَالِ، فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا». البخاري: كِتَاب الجمعة، باب ما يكره من التشديد في العبادة، رقم 1100.

(5) بَقِيَّة الحديث: « … وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ». البخاري: كِتَاب الإيمان، باب الدين يسر، حديث رقم: 39، 1/ 23. النسائي: كِتَاب الإيمان وشرائعه، باب الدين يسر، حديث رقم: 5034، 8/ 122.

(6) عبد الجواد: السلطة في الإسلام، 1/ 16.

(7) البخاري: كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، باب ما يُكره من كثرة السؤال وتكلُّف ما لا يعنيه، رقم: 6859، 6/ 2658. مسلم: كتاب الفضائل، باب توقيره وترك إكثار السؤال عمَّا لا ضرورة إليه، رقم: 2358، 4/ 1831.

(8) رواه الحاكم في مستدركه، رقم: 3419، 2/ 406. قال ابن حجر: «أخرجه البزار وقال: سنده صالح. وصحَّحه الحاكم من حديث أبي الدرداء رفعه». وقال الهيثمي: «وإسناده حسن ورجاله موثَّقون». فتح الباري، 13/ 266. مجمع الزوائد، 1/ 171.

٥ / ٢٨