أسماء الذم بين مقصد حفظ الدين وحفظ سائر الكليات الأخرى لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٦وإذا تأمَّلنا كثيرا من المسائل الكلاميَّة والسياسيَّة وجدناها مسائل اجتهاديَّةً قائمة على استدلالات ظنِّيَّة، رُفعت إلى مقام أصول الدين، فضلا عن اجتهاد العلماء لرسم الحدود الفاصلة بين مسائل الدين ومسائل الرأي، أو المسائل القطعيَّة والمسائل الظنيَّة.
ب- وحدة الأُمَّة الإسلاميَّة مقصد قطعيٌّ:
مقصد توحيد الأُمَّة الإسلاميَّة مقصد قطعيٌّ، ثابت بنصوص كثيرة في القرآن والسُّنَّة، وإنَّ كلَّ دعوة في هذا السبيل هي التزام بأوامر الله، وكلَّ دعوة إلى غيره استنكاف عنها. والآيات القرآنيَّة، والأحاديث النَّبويَّة متضافرة في وجوب الأُخوَّة في الدين، والتحابب والتناصر في الله، ومراعاة حقوق بعض المسلمين تجاه بعض، نكتفي بأدلَّة القرآن الكريم في الدعوة إلى الوحدة(1)، مراعاة للاختصار:
- قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمُ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (سورة الأنبياء: 92).
- وقال: ﴿وَأَنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمُ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (سورة الْمُومِنُونَ: 52).
- وقال: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ (سورة آل عمران: 103).
ومع هَذِهِ الآيات الصريحة يحلو للبعض أن يستهينوا بهذا المقصد القطعيِّ، ويسعوا في تشتيت شمل الأُمَّة، لمجرَّد بعض الخلافات الكلاميَّة أو السياسيَّة، ويتَّهم مخالفيه بالكفر، أو البدعة، أو المروق من الدين … ومع الأسف فإِنَّ مثل هذه الأصوات هي التي تَرُوجُ في العوامِّ أكثر، قال القاسميُّ: «وقد وُجد بالاستقراء أَنَّ صوت الغالي أقوى صدًى، وأعظم استجابة؛ لأنَّ التوسُّط منزلة الاعتدال، ومن يحرص عليه قليل في كُلِّ عصر ومصر، وأمَّا الغلوُّ فمشرب الأكثر، ورغيبة السواد الأعظم»(2)، وكيف لا والشيطان أقسم أن يكون أكثريَّة الناس من حزبه، وهو لهم بالمرصاد إذ قال: ﴿أَرَآيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنَ اَخَّرْتَنِيَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (سورة الإسراء: 62)، وقال: ﴿فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ ءَلاَتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنَ اَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (سورة الأعراف: 16 ـ 17).
ج- أدلَّة خطورة التكفير وما في معناه:
الخطأ في التكفير له علاقة وثيقة بمقصديْ حفظ الدين، من حيث إنَّ الخطأ فيه يعدُّ تقوُّلاً على الله بغير علم. وقد ذكر الله تعالى من المحرَّمات: ﴿ … وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (سورة الأعراف: 33)، وإنَّ الأدلَّة على خطورة التكفير وما في معناه كثيرة ومتضافرة من القرآن وَالسُّنَّة، نكتفي بالبعض منها:
- قال تعالى: {وَلاَ تَنَابَزُوا بِالاَلْقَابِ بِيسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الاِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
(1) عرض كثير من العلماء والباحثين أَدِلَّة هَذَا المقصد، ينظر على سبيل المثال: هاني ساعي: القانون في عقائد الفرق، ص31 - 34.
(2) جمال الدين القاسمي: الجرح والتعديل، ص4.