أسماء الذم بين مقصد حفظ الدين وحفظ سائر الكليات الأخرى للشريعة الإسلامية مصطفى بن محمد شريفي

أسماء الذم بين مقصد حفظ الدين وحفظ سائر الكليات الأخرى لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٧

الظَّالِمُونَ} (سورة الحجرات: 11)، فإنَّ فِعْل السخرية واللَّمز والنَّبز فسوقٌ(1).

- وقال تعالى في الحديث القدسيِّ: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ! … »(2).

- وقال رَسُول اللهِ J : « مَنْ قَالَ لأخيه: يَا كَافِرُ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الْكَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِالْكُفْرِ أَحَدُهُمَا»(3).

- وقال J : « … وَمَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ»(4). قد يعجب المرء من تشبيه اللعن والتكفير بالقتل في هذا الحديث، وَلَكِنَّ المتأمِّل للواقع المعيش يدرك العلاقة الوطيدة بين التكفير والقتل والاقتتال؛ فكم من دماء سُفكت بسبب اتِّهَامها بالكفر، وقد تكون بريئة مِمَّا نُسب إليها.

وهكذا نلاحظ أنَّ الخطأ في إطلاق التسمية الذميمة على من لا يستَحقُّها يعدُّ من الفسوق، وقد يبوء التكفير على المكفِّر، واللعن كالقتل؛ وبالتالي فإنَّ لإطلاق أسماء الذمِّ مساسًا خطيرًا بمقصد حفظ الدين.

د- تشديد العلماء في مسألة التكفير والدماء:

روى الخلاَّل(5) في السُّنَّة، أَنَّ الإمام البخاريَّ لقي أكثر من ألف رجل من أهل العلم «ولم يكونوا يكفِّرون أحدا من أهل القبلة بالذنب»(6). والمقصود بالتكفير هنا هو الْمُخْرِج من الْمِلَّة؛ لأنَّ من علماء السلف من يقول بكفر دون كفر(7).

وقد رَدَّ المسلمون على منحى الخوارج في تكفير مرتكب الكبيرة كفر شرك، فقد روت المصادر أَنَّ جابر بن

(1) ينظر: الطبري: 26/ 133 - 134. القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 16/ 328. القطب اطفيَّش: تيسير التفسير، 13/ 433.

(2) البخاري: كتاب الرقاق، باب التواضع، حديث رقم: 6137، 5/ 2384.

(3) رواه الربيع بن حبيب واللفظ له، والشيخان. الربيع: بَابٌ فِي الإِيمَانِ وَالإِسْلاَمِ وَالشَّرَائِعِ، حديث رقم: 65، ص45، بزيادة: «وَالْبَادِئُ أَظْلَمُ». البخاري: كتاب الأدب، بَاب مَنْ كَفَّرَ أَخَاهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ فَهُوَ كَمَا قَالَ، حديث رقم: 5752، 5/ 2263. مسلم: كتاب الإيمان، بَاب بَيَانِ حَالِ إِيمَانِ مَنْ قَالَ لأَخِيهِ الْمُسْلِمِ يَا كَافِرُ، حديث رقم: 60، 1/ 79.

(4) مُتَّفَق عَلَيْهِ واللفظ للبخاري. البخاري: كتاب الأدب، بَاب مَا يُنْهَى مِنَ السِّبَابِ وَاللَّعْنِ، حديث رقم: 5700، 5/ 2247. مسلم: كتاب الإيمان، بَاب غِلَظِ تَحْرِيمِ قَتْلِ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ … حديث رقم: 110، 1/ 104.

(5) أبو بكر أحمد بن محمَّد بن هارون الخلاَّل (311هـ/923م): مفسِّر حنبليٌّ عالم بالحديث واللغة. من بغداد. من كتبه: ”تفسير الغريب“، و”طبقات أصحاب ابن حنبل“، و”السنَّة“ … ينظر: الزركلي: الأعلام، 1/ 206.

(6) اللالكائي: اعتقاد أهل السُّنَّة، 1/ 175.

(7) كما في حديث تكفير من ادَّعَى لغير أبيه، وَسَمَّاهُ علماء من السلف كُفْرًا دُونَ كُفْرٍ، كما يقسِّمون الفسق إلى نوعين أيضا: الفسوق، والفُسُوق دُونَ فُسُوقٍ، وهو مرويٌّ «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَطَاوُسٍ وَعَطَاءٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ». الترمذي: كِتَاب الإيمان، باب ما جاء سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، حديث رقم: 2635، 5/ 21. وقد استعرض الغاربي جملة من القائلين بكفر النعمة من علماء السلف. وذكر منهم: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو، وإبراهيم النخعي، وأبا بكر الجصاص، وابن عبد البر، وأبا العَبَّاس القرطبي، ومجد الدين ابن تيمية، والنووي، وأبا البركات النسفي، وأبا حيان الأندلسي، والعيني، وابن رجب، وابن حجر. ووثَّق أقوالهم بالإحالات على مصادرهم. ينظر: مقالتا الأسماء والأحكام، ص87 - 89.

وَسَمَّاهُ بعض المعاصرين: الكفر العَمَلِيَّ، والكفر المجازيَّ، والكفر الأصغر. ينظر: البهنساوي: الحكم وقَضِيَّة تكفير المسلم، ص49. ناجح إبراهيم وعلي محمَّد: حرمة الغلوِّ في الدين، ص113 - 121. السامرائي: التكفير في القرآن وَالسُّنَّة، ص429 - 430. الواعي: الفهم الإِسلاَمِيُّ بين الغلوِّ والاعتدال، ص26 - 35. بازمول: التكفير وضوابطه، ص20 - 29.

٧ / ٢٨