أسماء الذم بين مقصد حفظ الدين وحفظ سائر الكليات الأخرى لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٨زيد ناقش الخوارجَ(1)، وَأَنَّ أبا بلال مرداس بن أديَّة(2) عارض نافع بن الأزرق(3)، وَأَنَّ عبد الله بن إباض آثر التسامح والدعوة إلى الشورى بدل الوقوع في صراع دمويٍّ مع الحكم الجائر(4)، وَأَنَّهُ انفصل عن ثورة عبد الله بن الزبير(5)، وَأَنَّهُ كان مع عبد الله بن الصفار(6) في رفضهما للتيَّار التكفيري(7). وقال ابن عبد العزيز « … فاتَّقوا الله في الدماء! ثُمَّ اتَّقوا الله في الدماء! لا تقربوها إِلاَّ بحلِّها، فَإِنَّكُم إنْ تواقعوا دما حراما يُحبَطْ عملكم، ويُبطلْ كدحُكُم، فالتثبُّت التثبُّت، وَإِيَّاكُم والعجلة إلى الدماء والسرعة إلى الإقدام عليها إِلاَّ بأمر واضح»(8). ويضيف في مسألة شبيهة قائلا: «فاتَّقوا الله في الدماء، وعظِّموا أمرها، وتمكَّثوا، ولا تسرعوا إلى إصابتها، فإنَّ أمرها عند الله عظيم، فإنَّكم أن تتركوا دمًا أحلَّه الله لكم خير من أن تهجموا على ما تشكُّون فيه، والإقدام على الدماء بالشبهات حوبٌ عظيم، وبُعدٌ من الله سحيق لمن انتهك ذلك واجترأ عليه»(9).
ومع أَنَّ أئمَّة السلف يحذِّرون أَشَدَّ التحذير من التكفير واستباحة الدماء، فإنَّ البعض لا زالوا مصرِّين على التكفير والتبديع لأتفه الأسباب. ولا يمكننا الفصل بين التكفير ونتائجه في الواقع المعيش. فما نراه يوميًّا من سفك للدماء بين المسلمين ليس إلاَّ نتائج للأفكار المتطرِّفة. فخطؤنا يكمن في أَنَّنَا نريد أن نعالج النتيجة دون أن نعالج الأسباب؛ فنكرِّس الواقع المتردِّي.
يقول حجَّة الإسلام أبو حامد الغزالي: «إِنَّهُ لا يسارع إلى التكفير إِلاَّ الجهلة، وينبغي الاحتراز من التكفير ما وجد الإنسان إلى ذلك سبيلا، فإنَّ استباحة الدماء والأموال من المصلِّين إلى القبلة المصرِّحين بقول لا إله إِلاَّ الله محَمَّد رسول الله خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم»(10).
ومثله ما عزاه القاسميُّ إلى الحنفيَّة من قولهم فيمَا معناه: «لَوْ أَمْكَنَ أَنْ يُكَفَّرَ الْمَرْءُ فِي أَمْرٍ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ وَجْهًا، وَمِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ لاَ يُكَفَّرُ، يُرَجَّحُ عَدَمُ التَّكْفِيرِ عَلَى التَّكْفِيرِ لِخَطَرِهِ فِي الدِّينِ»(11). وعدَّ الإمامُ محَمَّد
(1) ينظر: الدرجيني: طبقات، 2/ 208 - 209. المحرمي: الصراع، 306 - 308.
(2) أبو بلال مرداس بن حُدَيْر (أو ابن أُديَّة) التميمي (61هـ/ 670م): تابعيٌّ عالم شاعر ورع من أئمَّة الإباضيَّة. لازم جابر بن زيد وأخذ عنه، والتقى عددا من الصحابة منهم ابن عبَّاس وعائشة. شارك في صفِّين وأنكر التحكيم، وكان من أهل النهروان ونجا. أنشأ جماعة سرِّية منظَّمة ضدَّ جورة بني أميَّة، ولكنَّه أنكر على الخوارج تعرُّضهم للناس بالسيف. سجنه عبيد الله بن زياد، ثمَّ أطلقه. واجهَ جيش ابن زياد مرَّتين، انهزم مرداس واستشهد غدرًا في الثانية. ينظر: جمعِيَّة التُّرَاث: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة، ترجمة رقم: 874، 2/ 411 - 412.
(3) ينظر: المحرمي: الصراع، 306 - 308.
(4) ينظر: النامي: دراسات، 84 - 85. المحرمي: الصراع، 306 - 308.
(5) المحرمي: الصراع، 306 - 308.
(6) عبد الله بن صفار الصريمي التميمي (نحو 60هـ/680م): تنسب إليه فرقة الصفريَّة من الخوارج. ينظر: الزركلي: الأعلام، 4/ 93.
(7) سامي صقر: جابر بن زيد، 60 - 61. نقلا عن المحرمي: الصراع، 306 - 308.
(8) [أبو غانم]: الديون المعروض، المدوَّنة، 3/ 322.
(9) المصدر نفسه، 3/ 323.
(10) الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص135. وينظر: السنوسي: شرح المقَدِّمَات، ص104 - 105. هاني ساعي: القانون في عقائد الفرق، ص303. محَمَّد عمارة: فتنة التكفير، ص22، 62.
(11) جمال الدين القاسمي: الجرح والتعديل، ص39.